حروبنا مسروقة من التاريخ!

مشاري الذايدي

نشر في: آخر تحديث:

لا نشكو من قلة الأخبار المخيفة، بل من كثرتها، والتخمة كالجوع، يضران ولا ينفعان.

الجديد المخيف في هذه الصراعات العربية والإسلامية هو تحولها إلى صراعات «إفناء».

المسار الطائفي (شيعي - سني) يحكم الأزمة، والمنطق الحاكم: إما نحن وإما هم.

كل عاقل لديه شعور طاغ بوجود جو استثنائي حافل بالهول، والإحساس بعالم جديد، عالم لا نعرفه من قبل، أبيحت فيه المحرمات، وقيل فيه ما كان مكتوما.

صيحات طائفية، ورايات كأنها خرجت للتو من قماش التاريخ السحيق، كأن لم تمرّ بنا قرون مديدة تفصلنا عن تلك الحروب التي كانت تخاض على صهوات الجياد وأكوار الإبل.

بدا لي أننا نعيش في خضم القرنين السادس عشر والسابع عشر.

نعيش الآن، مرحلة تشبه مرحلة عبرت العالم قبل 5 قرون تقريبا:

* حرب الثلاثين عاما قامت بين طائفتي البروتستانت والكاثوليك داخل «الأمة» المسيحية الأوروبية بين عامي 1618 و1648. مسرح الحرب كانت الأراضي الألمانية، وقد دخلت أتون هذه الملحمة معظم القوى الأوروبية الموجودة آنذاك.

فتكت الحرب بممالك أوروبا، وهيّجت الشعور الديني لدى كل طائفة، وانتهت هذه الحرب الثلاثينية بمعاهدة وستفاليا 1648 التي كانت «البذرة» لقيام مفهوم الدولة الحديثة. لكن أثر هذه الحرب المدمرة استمر في أوروبا لعدة قرون.

* كلنا قرأنا عن الحروب الهائلة بين الصفويين والعثمانيين، الطرف الأول يمثل الشيعة، والثاني يمثل السنة، تيار الأمة الأغلب، لكن المفارقة أن هذه الحروب كانت متزامنة، تقريبا، لنفس مرحلة الحروب الدينية في أوروبا.

فالحروب الصفوية العثمانية استمرت من سنة 1515 إلى سنة 1639.

* في نفس هذه المرحلة أيضا شهدت المرافئ العربية والإسلامية من الأطلسي إلى المحيط الهندي هجمات برتغالية شرسة، حتى ثغور البحر الأحمر والخليج العربي لم تسلم من هجمات البرتغال، التي كان الطابع الصليبي الديني واضحا فيها، بالإضافة طبعا للطمع الاقتصادي الاستعماري. ويكفي أن نذكر بنجم الحروب البرتغالية وهو (ألفونسو البوكيرك) الذي شن أشهر حروبه على الشواطئ الهندية والشواطئ العربية في البحر الأحمر في 1513. وتوفي وهو في الحملة سنة 1515.

* بل إن أشهر ملك بريطاني وهو (هنري الثامن) وسبب شهرته الأول هو انفصاله عن الكنيسة الكاثوليكية وإنشاء كنيسة وطنية جديدة، لأسباب معقدة، وجد أيضا في نفس المرحلة، حيث إن هنري الثامن حكم سنة 1509 وتوفي 1547.

مفارقة تفرض نفسها، وتشابه مذهل، وكأن هناك أنفاسا للتاريخ يتلقاها الجميع في مرحلة ما، دون اختيار منهم.

فهل نعبر نحن، الآن، نفس تلك المرحلة الرهيبة من التاريخ، وعليه فلا مفر ولا مناص من شرب حنظل التاريخ؟!

*نقلا عن "الشرق الأوسط" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.