محتسبو الصيف.. هل أحببناكم؟

علي القاسمي

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

تنوعت مشاريع الاحتساب في موسم الصيف السعودي، وكانت مدينتي أبها صاحبة مشروع الاحتساب الأقرب لا الأخير حين تصدى المحتسبون لفيلم أبهاوي يستعرض المكان وهويته عبر مسمى أبها القديم «هيفاء»، أوقِف الفيلم والمعدون، وشبابه المتحمسون، والخاسرون من جيوبهم وأوقاتهم بعد أن ودّعوا ليلته الثامنة من مساءات العرض المقررة عند الرقم «عشرة».

ليلتان تبقت على إغلاق ملف المشاهدة لهذا الفيلم البسيط، وكان يعتقد المحتسبون الصيفيون بأنها مفاتيح مفصلية للاختلاط والسفور ومشاريع مستحقة للاحتساب والانفعال والحماسة ومحفزة لتشكيل فريق عمل مستقل تتوزع أجساده على الخريطة الوطنية، لأن لديها التجربة والقدرة والشجاعة على تبني الأفكار، وقراءة الأعمال ومناشط الصيف وترتيبات الشتاء وإيقافها واعتراض طريقها من دون أن يسألهم أحد: من الذي يدفعكم إلى ذلك؟ وهل مجمل الأفعال نابعة من فقدان الثقة في الأجهزة والمؤسسات ذات العلاقة بمجمل هذه الأنشطة والفعاليات؟! لم يسألهم أحد أيضاً: من الذي يوقظكم في الساعات المتأخرة؟ وهل هذه التصرفات المدرجة ضمن مشروع الاحتساب تفعل حضوركم، وتملأ وقت فراغكم؟ وتعمق القناعة فيكم وتجعل المجتمع يؤمن بكم ويصفق لكم.

أصبحت هذه المفردة سبيلاً يعبره من يحفظ سطرين من النصوص الشرعية أو يُدْفَع نحو العمل الدعوي تحت «وهَم» أن بيديه إصلاح العالم والكون، بينما هو غير قادر على تغيير محيطه الشخصي أو التأثير في المجاوِر والقريب. هم يسجلون - مع الصمت الاجتماعي المصاحب تجاه هذه التصرفات الفردية غير المحسوبة - ما يعدونه في جلساتهم الخاصة وترتيباتهم السرية فتحاً وانتصاراً عظيمين ونجاحاً بارعاً لم يجرؤ على تحقيقه غيرهم.

تقديم الشكوك دوماً هو حالة مرضية مستعصية لا أمل في علاجها، وهي الحالة ذاتها التي تقودنا إلى عدم استيعاب هذا المشروع السعودي المستقل، المعتمد على المزاج أولاً لينتقي بعد ذلك المداخل التي تتناسب وعضلاتهم وقدرة المكان على احتوائهم والسماح لهم بغزوات الاقتحام.

الاحتساب الذي أراه هنا وهناك أقرأه كقصة اعتراض علنية وغير مرتبة، وداعمة لفئة تعتمد على جُمَل «نقلاً عن فلان» و«ثمة احتمال فساد» و«هنا يولد تغريب» و«عندنا ينشط انحلال»، وفي المجمل من القصة المعتادة أن الأفعال لا تعدو كونها تصرفات شبابية ممزوجة بعناصر خبرة لم تتعرض لأسئلة حادة ويشرح لها بقوة: ما دور الجهات المعنية بالمتابعة والرقابة والترتيب والتنظيم، وأحدها إن لم يكن أبرزها جهاز الهيئة الذي أعلن بهدوء ووعي براءته من محتسبي الصيف.

الفيلم أوقف، وأوقفت قبله محطات بريئة أخرى لم تكن تستحق هذا القصف والحماسة الاحتسابية، وإن لم يُساءَلوا ويُرشَدوا إلى الطريق المباشر والشجاع لا الملتوي والمراهق، فسيكون المشروع القادم هو الاحتساب على الهيئة وحينها ستكون القصة ذات تعقيد أكبر.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.