إيران وتركيا.. مصالح وتقاطعات!

يوسف الكويليت

يوسف الكويليت

نشر في: آخر تحديث:

لا تجرّنا العواطف إلى التقارب مع تركيا، ولا التباعد مع إيران لأسباب عقدية وسياسية، فكلتاهما تنظر للمنطقة العربية، ليس من زوايا دينية، وإن لبستا هذا الثوب ظاهرياً، حيث إنهما ترتبطان بالعديد من المصالح والاتفاقات العلنية والسرية، وتعتبران منطقتنا مع آسيا الوسطى منافذ لاستراتيجياتهما البعيدة..

فمثلما إيران تلتقي مع تركيا على قضايا الإرث التاريخي من الأزمات مع الأكراد، ورفضهما قيام كيان يهدد وحدتهما، فهناك رابط آخر يجمعهما، حيث ترى إيران بالجارة منفذاً لحوارات سرية مع أمريكا في شأن المشروع النووي والذي تعارض تركيا أي مساس به، وهي التي وقفت ضد مرور قوات التحالف الدولي في غزو العراق من أراضيها، وترى إيران في هذا السلوك موقفاً إيجابياً، مقابل ذلك فالحظر النفطي الذي أضر بالاقتصاد الإيراني، وجد في أنبوب الغاز المار بتركيا واستيرادها النفط وفق اتفاقات تفضيلية مصالح مشتركة تجمعهما دون حساسيات مذهبية وفقاً لما تشهده العلاقات العربية - الايرانية من تنافر وتصادم..

الأمور لا تدار بمصالح آنية، فقد كان للصراع التاريخي بينهما آثاره المستعادة في أي لحظة، فكما أن العراق وسورية في قلب الأزمات القابلة للانفجار بينهما، فتركيا ترفض أن يبقى العراق ضاحية لإيران، ولذلك جاء التحالف الأسدي - الإيراني قفزاً على حواجز تركيا رغم الجهود التي قام بها (أردوغان) قبل الثورة بتقارب مع دمشق حيث أعطاها معاملة خاصة استراتيجية واقتصادية بغية إبعادها عن المحور الإيراني، لكن الأحداث غيرت هذه الوقائع والاتفاقات، وبقي الخلاف حولها يتسم بالمد والجزر، فتركيا غير راغبة بالتورط في المستنقع العسكري الدائر في سورية، وفي ريبة تامة من تحالف روسي - إيراني على حدودها، وحتى منظومة صواريخ الأطلسي التي وضعت على حدود تركيا مع سورية، أثارت سوء النوايا لكنها لم تأخذ حجم الأزمة المتفجرة، وتبقى تركيا على خط مفتوح مع الوضع السوري ولكن بدون صدام يؤثر في علاقاتها مع إيران..

القاسم المشترك يبقي العلاقة قائمة بين البلدين، والدليل أن أحداث المنطقة العربية وغيرها، لم تحجب الشراكة في اللقاءات والمباحثات بين أنقرة وطهران، وربما الحلم الأبعد هو رؤية محور إسلامي بلا عقدة الطائفة، تشكلان نواته كقوة مقابلة للغرب والشرق، وهذا دور بدأ مع حصار الغرب لإيران من أجل مشروعها النووي، ورفض فرنسا وألمانيا بشكل علني دخول تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي، حتى إن فرنسا، لإبعاد تركيا طالما أثارت قضية مذابح الأرمن وضرورة الاعتذار علناً من قبل الأتراك عن تلك المأساة، ليرد أردوغان عليها مطالباً باعتذار مماثل عن مذابح الفرنسيين للجزائريين، وهذا الصدام ولّد الحاجة إلى خلق هذا المحور، لكن ما هي الأهداف البعيدة تجاه المنطقة العربية تحديداً؟

لا تزال روح العثمانية عند الأتراك قائمة، وإن كانت بغير الأساليب القديمة بحيث تكون تركيا قطب الحركة للمنطقة باسم الإسلامي السياسي كمشروع جاذب لدول المنطقة باعتبارها وفرت نموذجاً ناجحاً اقتصادياً وسياسياً، بنفس الوقت ترى في تلاقيها مع إيران أن السياسة قد تلغي خلاف المذاهب وأنها أقرب من الغرب والشرق في تلاقي الأهداف، لكن ما تخفيه النوايا أكبر من ذلك حيث كل من الدولتين تعتبر أنها المركز، وأن ما يجري بينهما هدنة، وقد لا تبقى الاتفاقات إلى الأبد..

*نقلا عن "الرياض" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.