عاجل

البث المباشر

زياد الدريس

كاتب ورئيس تحريرسعودي وسبق له العمل سفيرا للمملكة بعدة دول

كاتب ورئيس تحريرسعودي وسبق له العمل سفيرا للمملكة بعدة دول

القرارات (الهامشية) المهمة!

«تحية إلى: الشاب / فيصل الميموني، الذي شاركني الاهتمام بالقرارات
(الهامشية) والفرحة بها، بوعي يفوق حداثة سنّه وتجربته».
كنت في سنين مضت أسخر من القرارات التي تصدر عن المنظمات الدولية، خصوصاً بشأن فلسطين، وكان تعليقي الدائم على تلك القرارات مستهزئاً: وأخيراً ستتحرر فلسطين بهذا القرار!
جئت للعمل في منظمة اليونسكو ورأيت كيف تصنع الدول المؤثرة هذه القرارات لتجعل منها أرضية لتغييرٍ قد يأتي بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر. رأيتهم كيف يزرعون القرار في تربة رطبة ثم يمررونه على تصويت الدول الأعضاء، خصوصاً تلك التي لا تعي متى وأين وكيف سيتم حصد ثمار هذا القرار بعد سنوات طويلة من إقراره .. في تخطيط استراتيجي بعيد المدى وبعيد النظر.
كانت اللحظة الفارقة لي لتحويل نظرتي إلى (أهمية القرارات الهامشية) هي لحظة التصويت على قرار منح فلسطين العضوية الكاملة في منظمة اليونسكو. لم أكن متحمساً بما فيه الكفاية أثناء التحركات التي سبقت التصويت النهائي بعامين اثنين تقريباً، لكن عندما رأيت الغضب الإسرائيلي والقلق الأميركي يتزايد مع اقتراب اللحظة الحاسمة أدركت أن القرارات (الهامشية) لا يمكن أن تثير كل هذا الانشغال لدى الدولة العظمى وحلفائها لو كانت هامشية حقاً. هنا بدأت أعيد حساباتي في وزن القرارات الدولية وتأثيرها، خصوصاً بعد أن وصل الغضب الأميركي ذروته في قرار قطع المساهمة المالية عن المنظمة بسبب التصويت الإيجابي بمنح دولة فلسطين العضوية الكاملة باليونسكو وما قد يشكله هذا القرار من بداية لاعتراف المنظمات الدولية الأخرى بدولة فلسطين.
حين بلغ بنا الفرح والانتعاش مبلغه بعد ذلك التصويت التاريخي، كان هناك بالمقابل أناس يسخرون من فرحنا ويستخفّون بحفاوتنا بالقرار، ويقولون في تعليقاتهم علينا: «خلاص، الآن حررتم فلسطين بهذا القرار؟!».
لم يكن أمامي من خيار سوى استيعاب موقفهم وسخريتهم تلك، فقد فعلتُها من قبل، حين كنت بعيداً عن دلالات تلك القرارات التي كنت أسميها (هامشية)، حين لم أكن أدرك القلق والضيق الذي يمكن أن تسببه تلك القرارات للدول المعتدية ... ولو بعد حين!
أتحدّث هنا، ليس عن قرارات فلسطين أو مناطق الصراع السياسي فقط، بل حتى القرارات التربوية والعلمية والاقتصادية والثقافية الموجهة لخدمة إيديولوجيات أو دول بعينها على المدى البعيد، في ظل غفلة الدول التي لا تجيد العمل إلا على مدى قريب لا يتجاوز أطراف أقدامها!
وردني هذا التأمل في مفعول القرار الدولي واحتفاء البعض به وسخرية البعض الآخر، حين تداولتْ مواقع إخبارية الشهر الماضي نتيجة تصويت لجنة التراث العالمي باليونسكو على قرار جديد بشأن حماية القدس والمسجد الأقصى من عبث المتطرفين اليهود بدعم وتغطية من جنود الجيش الاسرائيلي. القرار الذي انشغلنا به في كمبوديا، مقر المؤتمر، ثم احتفلنا به بعد تمريره بالتصويت، رغم الحشد المضاد له من الدول الراعية لإسرائيل، لقيتْ فرحتنا به نفس الاستخفاف والتعليقات الساخرة في مواقع التواصل الاجتماعي من لدن الشباب الغيور والمحب لفلسطين والمتحمس لتحريرها في أقرب فرصة!
لا بأس، سنظل نعمل من جانبنا على استصدار القرارات الفاضحة لهمجية المحتل ... ريثما يصل «البطل» لذي يستطيع لجم الهمجية الإسرائيلية.
لا حاجة أن ينبهني أحد إلى بديهية أن حروب التحرير أسرع مفعولاً من ألف قرار، وأن النضال الوطني السلمي أو التحريشي (أطفال الحجارة) أقوى تأثيراً من أي قرار، لكن الذي ليس بديهياً عند الناس هو أن مثل هذه القرارات الدولية هي جهدٌ يتكامل ولا يتعارض مع الجهود الأخرى، وهي بلا شك أفضل من الاستسلام للواقع المرير.
فلسطين لن تتحرر بقرار دولي، لكن القرارات الدولية قادرة أن تقوّض مبررات احتلالها.


*نقلاً عن "الحياة" اللندنية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة