لماذا استعجال التسوية الآن؟

محمد الصياد

نشر في: آخر تحديث:

بعد ست زيارات مكوكية ومتابعة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى المنطقة، جال خلالها على عواصم أطراف الصراع الأساسية لاسيما القدس المحتلة ورام الله وعمّان، أعلن أنه “إذا ما سار كل شيء على ما يرام” فستتوجه تسيبي ليفني التي تحمل حالياً حقيبة وزارة القضاء في حكومة بنيامين نتنياهو ومسؤولة ملف المفاوضات في الجانب “الإسرائيلي” وصائب عريقات كبير المفاوضين في حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، إلى واشنطن خلال أسبوع (من يوم إعلان كيري عن الاتفاق يوم السبت 20 يوليو/ تموز 2013) لاستئناف مفاوضات التسوية المتوقفة بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” منذ نحو ثلاث سنوات (توقفت في أكتوبر/ تشرين الأول 2010) .

وقبل التطرق إلى الأبعاد السياسية الحقيقية لهذا الاهتمام والتركيز الأمريكي اللافت على الملف الفلسطيني الذي ظل مهملاً في سلم اهتمامات وأولويات السياسة الخارجية الأمريكية على مدى ثلاث سنوات تقريباً، دعونا أولاً نجادل الجانب “التقني” الذي أريد له أن يكون معبراً - وليس مخرجاً - لتخطي عقبة استئناف المفاوضات، بالتساؤل الآتي: هل يعتبر مجرد إعلان موافقة الطرفين، الفلسطيني و”الإسرائيلي” على استئناف المفاوضات، إنجازاً بحد ذاته يستأهل كل الجلبة الإعلامية التي أحيطت به في ظل إعلان نتنياهو عدم قبوله حدود 1967 مرجعية للتفاوض، ورفض الفلسطينيين العودة للمفاوضات على غير هذا الأساس، فضلاً عن شرط وقف الإستيطان؟

إذاً لابد من اختراق تريده واشنطن قبل انعقاد الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/ أيلول المقبل، وهذا ما يفسر المواظبة والمثابرة التي أظهرها وزير خارجيتها لتحقيق ذلك الاختراق الذي يسمح لمسؤولي العلاقات العامة في البيت الأبيض الاستمرار في تحضيراتهم ل”الزفة” الإعلامية والسياسية والدبلوماسية وهيمنتها، التي ستدشن أمام قادة ورؤساء حكومات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الذين يتقاطرون على مقر المنظمة الدولية في هذا الوقت من كل عام، من أجل التباهي بالإنجاز الأمريكي “الخارق”، مع أن الاختراق المتحقق لا يتجاوز الحصول على موافقة حكومة نتنياهو على إطلاق مئة أسير فلسطيني (خُفّض عددهم إلى 80)، وعلى دفعات، غداة انطلاق المفاوضات (انخفاضاً من 250 معتقلاً كان وزير الخارجية الأمريكي يتحدث عن إطلاقهم)، والحصول على موافقة “إسرائيل” على وقف مؤقت للاستيطان لمدة ثلاثة أشهر، إضافة إلى حصول الفلسطينيين على تسهيلات بناء وإقامة مشاريع وتسهيل مرور في أراضي الضفة، وقيل أيضاً إن جون كيري أعطى الجانب الفلسطيني “ضماناً” بأن تكون أراضي 1967 مرجعية المفاوضات .

في التفاصيل أيضاً أن نتنياهو أعطى لوزيرة القضاء في حكومته مساحة للتفاوض تشمل إبداء الاستعداد للتخلي عن جزء كبير من الضفة الغربية والتخلي عن بعض المستوطنات المزروعة فيها، تلك على ما يبدو الأسس التفاوضية حول قضايا الوضع النهائي التي تحدث عنها وزير الخارجية الأمريكي في عمّان حين أعلن عن حصول الاتفاق بين الجانبين على استئناف المفاوضات .

وما بين النظر والتطبيق هوّة سحيقة سوف يتضح لاحقاً إن 6 جولات مكوكية لوزير خارجية أمريكا للمنطقة، ليست هي “إكسير الحياة” الهابط فجأة من سماء المنطقة الملبّدة بالغيوم السود، والذي يمكن أن يمنح الشعب الفلسطيني حقوقه المكفولة بقرارات أعلى سلطة أممية، وهي هنا مجلس الأمن الدولي، ونعني بذلك تحديداً قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني ،1967 وقرار مجلس الأمن رقم 338 الصادر في 22 أكتوبر/ تشرين الأول ،1973 الذي دعا إلى تنفيذ القرار رقم 242 القاضي بانسحاب “إسرائيل” من سيناء والجولان والضفة وقطاع غزة، إضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الخاص بحق العودة الصادر في 11 ديسمبر/ كانون الأول 1948 .

إنما السؤال هو: أولم تجد الولايات المتحدة التي صامت عن مقاربة الملف الفلسطيني 5 سنوات، أفضل من هذا الوقت، وقت العواصف والاضطرابات الاجتماعية الصاخبة، للتحرك بسرعة لإحياء عملية التسوية بين “إسرائيل” والفلسطينيين؟

نزعم أن الولايات المتحدة لا تريد أية مفاجآت تعرّض قاعدة مصالحها المتقدمة في الشرق الأوسط أي “إسرائيل” للخطر في ضوء حالة “الفراغ الأمني” والسياسي الذي أحدثته الاضطرابات بالغة الخطورة التي تشهدها المنطقة، لاسيما مصر، وعدم اطمئنانها لحالة السيولة الاجتماعية غير المتكهن بنتائج تفاعلاتها و”مصبات خواتيمها” وهي لذلك قررت التدخل لإعادة “تقديم أوراق اعتماد وقبول”، “إسرائيل” عضواً وشريكاً أساسياً في جهود السيطرة على ما قد لا تحمد عقباه جراء هذا الدفق المتواصل للحراك الاجتماعي الذي تُحرك مراجله جمار سخط وغضب السنين العجاف الفائتة .

وليس أفضل من هذا الوقت “لعقد الصفقة”، حيث الفرصة مواتية لاستغلال ضعف الموقف الفلسطيني بسبب الملابسات التي أحاطت بموقف بعض الفصائل الفلسطينية من الأحداث الجارية في المنطقة، لاسيما في سوريا ومصر، تماماً مثلما كانت مواتية في عام 1991 حين استغل الأمريكيون ضعف الموقف الفلسطيني بعد حرب تحرير دولة الكويت، ورتّبوا لعقد مؤتمر مدريد لشراء فسحة كبيرة من الوقت تتيح ل”إسرائيل” خلق وقائع جديدة على الأرض تجعل من الاستحالة بمكان تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره .

لقد مكّنت الطبقة السياسية الأمريكية “إسرائيل” من وضع قراري مجلس الأمن 242 و338 وراء ظهرها، بعد أن حصلت واشنطن مؤخراً على موافقة جامعة الدول العربية على مبدأ مقايضة الأراضي بدلاً من الإصرار على حدود الرابع من حزيران، ومكّنتها من تحويل سياستها الاستيطانية إلى استراتيجية ديموغرافية وأمنية أوصلت عدد المستوطنين اليهود في الضفة إلى 350 ألفاً، وهو ضعف عدد الفلسطينيين في ما يسمى بالمنطقة “سي” (وهي المناطق الوحيدة المتلاصقة وغير المتقطعة في الضفة الغربية، وتقع تحت السيطرة “الإسرائيلية” الكاملة أمنياً وإدارياً، وتشكل نحو 61% من مساحة الضفة)، باستثناء مستوطني القدس الشرقية البالغ عددهم ربع مليون يهودي .

أيضاً، فإن تحريك الملف الفلسطيني يمكن أن يشكل غطاءً مناسباً لأي تحركات أو تدخلات عسكرية أمريكية في المنطقة قد تستدعيها حاجة تعظيم ميلان ميزان القوى لمصلحتها ومصلحة حلفائها.

نقلاً عن صحيفة "الخليج الإماراتية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.