عاجل

البث المباشر

محمد صلاح

كاتب وصحافي مصري

كاتب وصحافي مصري

الإخوان وتسول الأجنبي

المؤكد أن المبادرات التي تطلق لحلحلة الأزمة المصرية أو البحث عن حلول لها، وتتضمن بين بنودها واحداً ينص على عودة الدكتور محمد مرسي إلى المقعد الرئاسي، ولو لفترة، حتى يجرى استفتاء على منصبه أو قبوله من الناس تجاوزها الزمن وتخطتها الأحداث ولن يكتب لها أي نجاح، ليس فقط لأنها تصدر عادة عن شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي ولكن أيضاً لأن واقع الأمور في مصر يشير إلى أن الزمن لن يعود إلى الوراء، وأن أقصى ما يمكن البحث فيه هو أسس مصالحة لا تتغاضى عن مرتكبي الجرائم. وطالما سقط ضحايا وسالت دماء فإن تلك المصالحة تصبح أيضاً محل شك أو قل مستحيلة في الوقت الراهن.

ويبدو واضحاً أن قادة جماعة «الإخوان المسلمين» خلصوا إلى أن عودة مرسي إلى المقعد الرئاسي بواسطة تيار شعبي هادر وثورة جماهيرية تجبر كل الأطراف على تنصيبه مجدداً أمراً مستحيلاً، فغالبية الناس ليست معهم، ومهما تعددت اعتصامات «الإخوان» ومناصريهم أو زادت مسيرات مؤيدي الرئيس المعزول وجالت بين مدن وأحياء القاهرة أو بعض المدن الأخرى فإن كل دعوة للحشد لتأييد عزل مرسي ودعم خارطة الطريق السياسية التي طرحها الجيش تلقى استجابة وحضوراً وحشوداً تفوق بكثير قدرة «الإخوان» على الحشد، ما أفقد الجماعة الميزة التنافسية والتي كانت تفخر بها بين كل القوى السياسية الأخرى على مدى عقود.

الآن صار «الإخوان»، ومناصروهم من الإسلاميين الآخرين في كفة، أما الكفة الأخرى فلا تعبر عن حزب أو جماعة أو فصيل أو حتى الجيش نفسه وإنما تضم فئات مختلفة الأعمار، متباينة الأفكار، متعددة المستويات اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً. أي صار المشهد في مصر الآن يشير إلى أن «الإخوان» وحلفاءهم صاروا في مواجهة باقي الشعب.

هذه الخلاصة التي يبدو أن قادة «الإخوان» أدركوها متأخرين تفسر هذه المشاهد الغريبة والخطب والكلمات المذهلة والعبارات التي تنطلق من فوق منصة الجماعة في مسجد رابعة العدوية، حيث الاعتصام هناك، والتي يستجير بها قادة «الإخوان» ويتوسلون ويتسولون تدخلاً أجنبياً من أي جهة أو مؤسسة أو دولة أجنبية لحمايتهم أو لإعادة رئيسهم إلى المقعد! كل الأطراف تطالب «الإخوان» بفض اعتصام رابعة العدوية والعودة إلى التفاوض والمضي في العملية السياسية، لكن الجماعة ترفض، ورموزها صاروا يظهرون على شاشات «الجزيرة» وغيرها ليستنجدوا علناً وجهاراً نهاراً وفي كل وقت بأجنبي ينقذهم ويعيد لهم الحكم!

الغريب والمثير للدهشة أن رموز الجماعة يعلمون أن الشعب المصري لن يقبل أبداً بحاكم مفروض من الخارج، سواء أتى بغطاء الشرعية أو الصناديق، فيقفز السؤال إلى الواجهة: كيف يتصور «الإخوان» أن مرسي يمكن أن يعود ليحكم هذه الملايين التي خرجت مرات عدة لتطالب بعزله في مرحلة، وخرجت لتطالب بسجنه في أخرى؟

الحقيقة المؤكدة أن عودة «الإخوان» إلى المشهد السياسي في المرحلة المقبلة لتحتل الجماعة فيه مكاناً أصبح محل شك، ليس فقط لرفض «الإخوان» أن يكونوا جزءاً من خارطة الطريق السياسية التي طرحها الجيش، ولكن أيضاً لأن العنف الذي مارسوه والضحايا الذين سقطوا، حتى لو كان بعضهم من «الإخوان» أنفسهم، والفشل الذي وقعوا فيه أثناء فترة حكمهم للبلاد، إضافة إلى سجن «رئيسهم» وربما مرشدهم وآخرين من رموز الجماعة، أمور تجعل من استيعابهم وقبول باقي القوى ومؤسسات الدولة لهم والتعاطي معهم بمنطق «عفا الله عما سلف» أمراً غير وارد أو بالغ الصعوبة.

اعتمد «الإخوان» أولاً على مواقف دول لا ترحب بتدخل الجيش لتحديد مسار الحكم لكن بمرور الوقت ظهر أن تلك الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة ستنصاع في النهاية إلى مصالحها حتى وإن اتخذت من الأحداث في مصر أسباباً لابتزاز الجيش أو الحكم الموقت. وتصور «الإخوان» أن في إمكان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان تقديم العون والمساعدة، وقيادة تيار في أوروبا وآسيا وربما العالم لحصار الحكم الجديد في مصر والضغط من أجل عودة مرسي إلى المقعد و»الإخوان» إلى السلطة، لكن ظهور أردوغان مدافعاً عن مشروعه أو مشروع الجماعة من دون أن يكون مدافعاً عن مبدأ يتعلق بالديموقراطية أو الحريات (أزمة ميدان تقسيم ما زالت في الأذهان) جعل الموقف التركي الرسمي غير كافٍ لنصرة «إخوان» مصر في معركتهم ضد... الشعب المصري!

نقلاً عن صحيفة الحياة "اللندنية".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات