تونس أمام ساعة الحقيقة

محمود الريماوي

محمود الريماوي

نشر في: آخر تحديث:

بعد مضي يوم واحد على جريمة اغتيال الناشط التونسي محمد البراهمي، أعلنت وزارة الداخلية في تونس اسم المتهم ونشرت صورة لبطاقته، وأعلنت أن الجريمة ارتكبت بالأدوات نفسها التي تم فيها اغتيال الناشط شكري بلعيد في فبراير/شباط الماضي، وأن المجموعة التي تقف وراء الجريمة هي جماعة سلفية جهادية بعينها .

السرعة في التقاط خيط الجريمة تثير الإعجاب، ومعها الكشف عن هوية المتهم بالجريمة والجهة التي تقف وراءه . حسناً، ما دام الأمر كذلك، فلماذا لم يتم بعد حظر الجماعة التي تدور حولها الاتهامات واعتبارها خارج القانون وملاحقتها قانونياً؟

على مدى الشهور الماضية عمد أعضاء هذه الجماعة ومن يؤازرها من مجموعات، إلى استباحة الجامعات والمسارح والأنشطة الفنية، على مرأى من الشرطة، ونظم أعضاء الجماعات مسيرات وتظاهرات علنية في شوارع العاصمة ومدن أخرى، شكوا فيها من اضطهاد يلاحقهم! . وفي واحدة من الوقائع الدالة تهجموا على مسرح يقام فيه نشاط مسرحي بعد أن أخلت الشرطة المكان بحجة أن المسرحية تنتقد أداء الشرطة ، فكان أن تقدموا هم وقاموا ب “الواجب” بتعطيل المسرحية والاعتداء على الفريق المسرحي! .

وبينما كان مسؤولون تونسيون يحذرون بصيغ شتى وبنبرات حادة من خروج احتجاجات جماهيرية واسعة على غرار ما حدث ويحدث في مصر، فإن القتلة كانوا يهيئون مسرح جريمتهم وأدواتهم . وها هي السلطات تعلن أنها تعرف هويتهم، فلماذا يتاح لهم تدبير ما يدبرونه وتنفيذ ما ينفذونه في وضح النهار، فيما المؤاخذات تتجه إلى احتجاجات سلمية، حتى إن مثل هذه الاحتجاجات لا جرائم القتل السياسي، باتت تُحتسب مسبقاً خطراً على المسير الديمقراطي! .

نتمنى أن يتدبر أولو الأمر في الحكم وخارجه، مسيراً توافقياً لا يقوم على المغالبة أو الهندسة القسرية للمجتمع، ويستلهم أفضل ما في التراث الوطني السياسي من تجارب ودروس، كما في تجارب العالم حولنا وليس بعيداً عن تونس، من أجل إرساء حياة وطنية ديمقراطية عصرية مزدهرة تأخذ البلاد والعباد على طريق التقدم السياسي والاجتماعي .

بسبب المراوحة بين المقتضيات الديمقراطية، والسعي الى التعليب والاستئثار، ها هي القوى المناوئة تتغول على المجتمع، وها هي أغلبية القوى السياسية والحزبية تنفض عن هذا المسار وتسحب ممثليها في البرلمان تباعاً، وها هي الإضرابات قد عمت البلاد وشلت المرافق بما في ذلك ناقل الطيران الوطني، وها هو الاتحاد التونسي للشغل القوة النقابية الأولى وذات التاريخ المجيد يشارك في التعبير عن النقمة من انحدار المسار، وكل ذلك ليس من أجل تعطيل الحياة الطبيعية بل من أجل إيصال الرسالة بأن المسار الانتقائي لا يوصل إلا إلى أزمة مستحكمة، وأن الائتلافات لا تتم بمجرد إضافة أطراف الى طرف نافذ من أجل تلطيف الغلبة، بل تتم بالتوافق والمشاركة الفعلية، وعلى قاعدة الإيمان بالتعددية السياسية والاجتماعية والثقافية، واحترام هذا التنوع احتراماً ثابتاً لا لبس فيه وبقوة القانون، وتجريم التعدي على أنماط الحياة والاجتماع التي يعرفها ويألفها التونسيون منذ أكثر من ستة عقود .

في واقع الأمر ان التحالف الانتخابي الذي جرى بين حزب النهضة وجماعات أصولية، قد ألقى بظلاله على سلوك النهضة ومواقفها، رغم الخطاب المتقدم أحياناً للنهضة . لقد تم النظر الى تلك الجماعات على أنها تشكل رصيداً انتخابياً وحليفاً أيديولوجياً، وهو ما يفسر ممالأة أبدتها السلطات لتلك الجماعات، الأمر الذي شجع الأخيرة عملياً على ارتكاب ما ارتكبته وعلى إشاعة أجواء من الترهيب والترويع لم تشهد البلاد مثيلاً لها من قبل، وعلى اقتراف تعديات وصولاً الى اقتراف جرائم بحق المكون المدني الأعرض في المجتمع التونسي .

حسناً، إن السلطات كشفت هوية مرتكبي الجرائم، وأدانت تلك الممارسات الشائنة بعبارات قوية، لكن الأهم من ذلك ومن أجل تجديد التفويض الشعبي، الإصغاء الى مختلف مكونات الشعب والتقاط الرسالة منها، والارتضاء بحكم تعددي يكون فيه الشعب مصدر الثقة كما هو مصدر السلطات، والاستعداد لإعادة النظر في الدستور بما يكفل مدنية الدولة، واحترام معتقدات المجتمع والأفراد وتكريس الحق في التعددية .

وبدلاً من مواصلة التحذير من تكرار ما جرى في مصر في الديار التونسية، فمن الأوفق تفادي إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه في أرض الكنانة، فالتفويض الانتخابي ليس تفويضاً مطلقاً وأبدياً، والمجلس النيابي التأسيسي بات يفتقد صفته التمثيلية العريضة، مع الانسحابات الحزبية من صفوفه، وهو ما ينعكس على الحكومة .

نتمنى تهدئة الخواطر بخطوات حصيفة تطمئن التونسيين فعلاً لا قولاً أن الإرهاب لا مكان له في الحياة العامة، ولا غطاء له من السلطات، وأن تعديل الدستور سوف يتم بأكبر قدر من التوافق بما لا يسلب التونسيين مكتسبات اجتماعية وثقافية سابقة، وبما يضمن إقامة دولة مدنية تحترم معتقدات الجميع، فلنرقب بأمل وحذر مجريات الأيام المقبلة .

نقلاً عن صحيفة" الخليج الإماراتية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.