الاستقلال شأن داخلي

الفضل شلق

نشر في: آخر تحديث:

تتقاطر الوفود الدولية والعربية إلى القاهرة من أجل التوسط للإخوان المسلمين. حكم الإخوان مصر مدة عام كاملة. وكانت فترة بائسة رفضها جماع الشعب المصري، حتى منهم الذين سبق وصوتوا بحسن نية لمحمد مرسي. خلال هذا العام أهان الإخوان الشعب المصري في دينه عندما اعتبروا الدين المصري ناقصاً فأرادوا هدايته؛ وفشلوا فشلاً ذريعاً في السياسة؛ بالأحرى لما يمارسوا السياسة، بل مارسوا أساليب الاستبداد مثل أسلافهم من الحكام الطغاة. لم يقدموا شيئاً على الصعيد الاقتصادي للغلابة المصريين سوى خطط تقضي ببيع منشآت الدولة ومنها قناة السويس للرأسمال الخاص.

هبّ الشعب المصري في ثورة 30 يونيو، وما قبلها وما بعدها، رافضا حكم الإخوان المنتخب ديموقراطياً في عملية يشوبها الغموض (على الأقل). صوّت الشعب المصري بأرجله في 30 يونيو وبقضه وقضيضه ضد حكم الإخوان؛ حتى صارت مصر مستقطبة بين جماعة الإخوان وحلفائهم من جهة والشعب المصري من جهة أخرى.

كانت ثورة أمرت الجيش بإسقاط الإخوان. الشرعية الثورية هي أقوى الشرعيات. صار حكم الإخوان غير شرعي ولم يعد لهم سوى الاعتصام في «ميدان» رابعة العدوية وساحة النهضة وبعض المسيرات العدوانية في شوارع القاهرة لإرهاب الناس. روّعوا الناس الذين ما عاد لهم إلا تشكيل لجان شعبية محلية لحماية أنفسهم وممتلكاتهم، وأيدوا خريطة الطريق التي أعلنها وزير الدفاع، قائد القوات المسلحة، عبد الفتاح السيسي. لم يفهم الإخوان المسلمون كل ذلك. تمسكوا بالشرعية ظناً منهم، عن خطأ، أنهم يمثلون الشعب المصري.

لم يعترفوا بثورة 30 يونيو وما قبلها وما بعدها. وفي الحقيقة لم يعترفوا بثورة الشعب ضدهم. لم يقروا أن الشرعية خارج الشعب، وخارج ثورة الإجماع، مع التمسك بالسلطة والشرعية المجوفة، هي خروج على إرادة الشعب وعلى شرعية الشعب.

الغريب في الأمر أن تأتي الوفود الأوروبية والأميركية، من بلاد تخوض حرباً عالمية على الإرهاب، لتدافع عن بؤرة الإرهاب الأساسية في العالم وهي جماعة الإخوان المسلمين ومن يدور حولهم من حلفائهم، وجميعهم لهم ماض في ممارسة الإرهاب ضد شعبهم. الغريب أن تأتي الوفود الأوروبية والأميركية للدفاع عن هؤلاء، وعن بؤرة الإرهاب الأساسية في العالم، ضد وضع جديد للسلطة التي تؤيدها جماهير الشعب المصري.

لا يقل غرابة عن ذلك تلكؤ بعض جهات النظام الجديد في معالجة اعتصامات الإخوان المسلمين، بل استنجادهم بهذه القوى الغربية المعادية للوضع الجديد من أجل التوسط مع الإخوان المسلمين، برغم أن قادة هؤلاء أحيلوا إلى السجن للتحقيق بتهم خطيرة تصل إلى حد الاتهام بالخيانة العظمى.
تستباح مصر من الداخل ومن الخارج. والخارج يتدخل بقوة، ولا يكتفي بالتهديد الذي تطلقه أميركا لقطع المساعدات. هذه المساعدات التي يدرك المصريون أنها لا تفيد إلا المصالح الأميركية، واستمرارية كامب ديفيد، وإسرائيل.

التدخل الخارجي السافر في مصر يدل على أن السيطرة الإمبريالية، المباشرة وغير المباشرة باقية، وأن اتفاقية كامب ديفيد والقيود التي وضعتها هذه الاتفاقية على مصر، تكبلها وتقيدها وتحد من حريتها وحرية أهلها. وهذا ما يزيد غضب الشعب المصري.

والتدخل الخارجي له مؤيدون وعملاء في الداخل، خاصة من الطبقات العليا ومن السلطة الجديدة. وهؤلاء يأتمرون بأوامر الإمبراطورية الأميركية، بل يستدعون تدخلها تحت عنوان الوساطة. فكأن الوساطة مع مساجين متهمين أمر وارد أو مبرر.

أبقى اتفاق كامب ديفيد المعقود في العام 1979، مصر مفتوحة على التدخل الخارجي. الإخوان المسلمون يستدعون هذا التدخل بإلحاح. مصر الآن أشبه بالمستعمرة التي تخوض ثورة أو حرباً ضد السيطرة الإمبريالية المباشرة وضد حلفائها في السلطة وضد جماعة الإخوان المسلمين. هذا هو شكل الثورة المضادة الآن.
يعرف الشعب المصري، الأكثرية الساحقة منه، ذلك. وهم لذلك يعتبرون أن الثورة مستمرة ضد أعداء الداخل والخارج.

* نقلا عن "السفير" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.