قبل نعي الثورات

حسام عيتاني

نشر في: آخر تحديث:

هل بالغت الشعوب العربية التي ثارت على أنظمة الاستبداد في التفاؤل قبل أن تصطدم بحائط الواقع؟ هل نشهد اليوم انتكاسة آمال «الربيع العربي» في الديموقراطية وبناء دولة الحق والمواطنة، مقدمةً للعودة إلى حكم العسكر؟

ما يجري في مصر وتونس وليبيا واليمن يدعو إلى الاعتقاد أن الواقع أسفر عن وجهه وأن نشوة إسقاط الديكتاتوريات هناك انتهت إلى ما يشبه الإحباط بل اليأس من تقدم جدي نحو حكومات ذات قواعد سياسية عريضة. انتهت أفراح الحادي عشر من شباط (فبراير) 2011 بكآبة منظر المعتصمين أمام مسجد رابعة العدوية، وأطلت العشائر وأمراء الكتائب المسلحة في اليمن وليبيا لتقول إنها لن تخلي الساحة بالسهولة التي اعتقدها من نزل إلى الميادين والساحات في الأيام الأولى للثورات.

وبعد قضاء نظام بشار الأسد على الناشطين السلميين، بدا أن جهوده لجعل الثورة على نظامه تشبهه في الممارسات والانتهاكات قد نجحت نجاحاً باهراً، ناهيك عن إشهار الخطاب الطائفي الصريح في وجه خطاب السلطة الطائفي المغطى باللغو العلماني والمقاوم.
كانت النوايا الحسنة هي ما حمل كثراً من أنصار الثورات على الاعتقاد بأن تخلي زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر عن سلطاتهما، حرصاً منهما – وفق ما قيل- على منع سفك الدماء، قابل للتكرار في دول عربية أخرى. تشبث معمر القذافي بحكمه والحرب التي أطلق شرارتها، قدما إشارات مبكرة عن طبيعة مختلفة من الصراعات التي تحملها الثورات. الطبيعة الأهلية، ما دون السياسية بالمعنى الحديث للكلمة. النوايا الحسنة تدخلت مرة ثانية لتقول إن سقوط القذافي على رغم دمويته، سيفتح باب التوافق الليبي لبناء دولة المواطنة. لم يحدث ذلك.

بكلمات ثانية، انتهت مرحلة البراءة الثورية في العالم العربي وحل مكانها «الواقع» كما هو، بتعقيده وذئبية قواه وانحطاط قيمها المحركة. وخرجت من قاع المجتمعات العربية كل الأمراض التي لم تعالج كما يجب ساعة ظهورها. خرجت النوازع القومية المكبوتة والتوترات القبلية والجهوية والأحقاد الطائفية ومخاوف الأقليات. وتجلت كل الآفات التي اعتبرتها الأنظمة السابقة إنجازات لها، كبؤس التعليم وتهافت النخب وغياب الصحافة والإعلام المستقلين والاقتصاد الريعي، وصارت عوامل تُفاقِم صعوبة الانتقال السلمي إلى أنظمة حكم تتمتع بتمثيل حقيقي لشعوبها.

وبعد أسابيع من عزل محمد مرسي يقف الجيش المصري حائراً في كيفية التعامل مع «التفويض» الذي طلبه من الشعب لمواجهة «الإخوان المسلمين» كحركة إرهابية. وتعجز الحكومة التونسية والمعارضة عن التوافق على علاج أزمة تشمل الدولة بمؤسساتها كافة وسط تصاعد خطر العنف الأصولي. يجري هذا فيما تسير ليبيا إلى مصير غامض يؤدي فيه أمراء الميليشيات أدوار الدولة غير المؤهلة أن تلملم أشلاءها.
بيد أن هذا لا يعني أن المراوحة في المكان متاحة. لقد حطم ضغط تطور المجتمعات العربية السدود التي بنتها أنظمة الديكتاتوريات العسكرية وبات من المستحيل إعادة بناء ما انهار.

يستسهل نقاد الثورات العربية فكرة «العودة إلى الوراء» بتصورات عن تحالفات جديدة بين العسكر وفئات سياسية- اجتماعية ما. ربما تتسم الرؤى هذه بقدر من الواقعية. لكنها في النهاية تحاول إعادة بناء الهيكل القديم ذاته، من دون الأخذ في الاعتبار الحركات العميقة التي أطلقتها الثورات التي تأبى التراجع إلى أن تُخرج كل ما تراكم في متون وحواشي المجتمعات العربية. وليس كله مما يرحب المرء برؤيته.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.