ضد "الإخوان".. مع المسلمين

محمد الحمادي

نشر في: آخر تحديث:

محاولة السلطات المصرية فض اعتصامي رابعة والنهضة كان سيناريو متوقعاً، لكن ما لم يكن يتمناه أحد هو سقوط أعداد من القتلى والجرحى ووقوع خسائر. والسؤال: ألم يكن من الممكن تفادي موت كل ذلك العدد من ضباط وأفراد الشرطة ومن اتباع «الإخوان»؟ بلا شك كان من الممكن لو أن «الإخوان» كانوا صادقين مع أنفسهم ولم يصروا على المطالبة بالكرسي... ولو أنهم أخذوا تحذيرات الرئيس المؤقت على محمل الجد.

«الإخوان» على مدى أشهر رفضوا كل المبادرات والوساطات السياسية التي سعت إلى تحقيق المصالحة الوطنية وإشراكهم في العمل السياسي من جديد، لقد أدى إصرارهم على شروطهم ورفضهم لتلك المحاولات إلى ما وصل إليه الحال بالأمس وفض اعتصاماتهم بالقوة... ولا شك أن هذا ما كانوا يسعون إليه... فمشهد الفوضى وإطلاق الرصاص والدماء والقتلى والجرحى هو ما كانوا يريدونه وهم يرفعون شعارات «كلنا شهداء»، فهذا ما بقي لهم لاستعطاف العالم والرأي العام العالمي!

مشكلات «الإخوان» أصبحت اليوم كثيرة والرتق أوسع من أن يرقع، فخسائر «الإخوان» مركبة، ويوم أمس كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير... فمن شاهد التلفزيونات والصور الحية التي نقلت من ميادين مصر وكمية الأسلحة التي استخدمها «الإخوان» ضد قوات الشرطة، لابد أن يتساءل: من أين أتت كل تلك الأسلحة؟ والسؤال الأهم: كيف يستحوذ من يرفع شعار السلمية على كل تلك الأسلحة؟ ولماذا؟!

لقد تابع الجميع ثورة 25 يناير التي كانت سلمية بمعنى الكلمة، ولم يحمل فيها أي متظاهر سلاحاً، لأنهم كانوا صادقين في أنها اعتصامات ومظاهرات ومسيرات سلمية، لكن «الإخوان» ليسوا كذلك، فهم دائماً يقولون شيئاً ويفعلون عكسه، فمواجهتهم لقوات الشرطة بالأسلحة الحية كانت قراراً خاطئاً... بل وذهبوا أبعد من ذلك عندما قاموا بحرق مراكز للشرطة ومنشآت عامة وأحرقوا ما مروا به من سيارات وممتلكات في طريق مظاهرتهم «السلمية»! وإحراق كنائس في مناطق مختلفة من مصر.

«الإخوان» لا يتورعون عن إشعال الفتن، وفي كثير من الأحداث التي يكون «الإخوان» طرفاً فيها يدركون أنها قد تؤدي إلى فتن عظيمة، ورغم ذلك يسيرون في مخططاتهم، لا يعنيهم أمن مواطن أو روح طفل ولا يعيرون بالاً لاستقرار بلد أو تمزيق أمة... ويدرك «الإخوان» في مصر وحتى في الخليج أن تصرفاتهم وتحركاتهم تؤدي إلى فوضى في الشارع وبين الناس، ورغم ذلك فهم لا يتراجعون عما يقومون به، بل يسعون إليه، لأنهم يعتقدون أن الفوضى قد تعيدهم إلى نقطة الاهتمام، وأنهم قد يحصلون من خلالها على فرصة للقفز على مؤسسات الدولة أو الحصول على جزء من الكعكة التي يسعون إليها منذ عقود.

ابحث عن رجل حكيم بين «الإخوان» فلن تجده... وقد يبدو هذا الوضع غريباً، أي أن تكون جماعة «الإخوان» ليس فيها عقلاء وشخصيات تتعامل مع الأمور بالعقل لا بالعاطفة! لكن ما يفسر هذا الأمر ما رأيناه خلال الأشهر الماضية. فكل عضو في «الإخوان» يختلف ولو في جزئيات بسيطة مع قيادتها فإنه يعزل ويطرد... فهذه جماعة الرأي الواحد وجماعة السمع والطاعة... لذا لم يعد هناك حوار داخل هذه الجماعة، وبالتالي أصبح الحوار معها صعباً، لأنها تخلصت ممن يستطيعون الحوار، وأبقت من لا يجيدون إلا إعطاء الأوامر أو تنفيذها، ومن يقبلون ممارسة العنف اللفظي أو الفعلي...

ما حدث بالأمس رسالة مباشرة للمترددين في اتخاذ موقف من «الإخوان»، ولمن لا زالوا يعتقدون أنهم مسالمون، وأنهم ينبذون العنف... في حين كشفوا أنهم عنيفون ويساندون الإرهاب... ويمكن اختصار مشهد يوم أمس: إن فض اعتصام رابعة في حقيقته هو فض لجيل كامل من «الإخوان» الذين أفلسوا فكرياً وسياسياً فأساؤوا لأوطانهم وأمتهم، وقد تكون فرصة جديدة لهذه الجماعة أن تراجع نفسها وتقدم قيادات شابة تعيش الواقع وتقبل الحوار مع الآخر، وتتقبل الاختلاف وتضع أوطانها نصب أعينها.

لقد بكى وتباكى «الإخوان» طوال ثمانين عاماً، واشتكوا من الظلم وصدّقناهم جميعاً، بل ووقفت معهم دول وساندتهم حكومات، وعندما تمكنوا من الحكم شوهوا صورة الجندي المصري، وشوهوا صورة الشرطي المصري، وشوهوا صورة علماء الدين الذين يخالفونهم ووصلوا إلى درجة أنهم شوهوا صورة شيخ الأزهر وتطاولوا عليه وأهانوه... كل ذلك من أجل ماذا؟ من أجل فكرهم المنغلق، ومن أجل تطبيق شريعة «الإخوان» وليس شريعة الإسلام كما يدعون.

«الإخوان» في مواقعهم وحساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي كانوا يطلقون على أعضائهم واتباعهم ممن يقومون بالاعتداء على المقار الحكومية والممتلكات العامة «المجاهدين»... وإذ كان هناك «جهاد» فهناك بالضرورة أعداء، فمن هم الأعداء؟ وما هي القضية بالضبط؟ ومن الذي أعلن الجهاد ونادى به؟

استعانوا بأنصارهم من غير المصريين في تلك الاعتصامات، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي «إخوان» الخليج و«الإخوان» في كل مكان كانون يساندونهم رغم أنهم يرددون أن قضيتهم وطنية ومرتبطة بالشرعية والديمقراطية... وفرشوا للإعلام الغربي الأرض وروداً ليقف إلى جانبهم، ونادوا السياسيين الغربيين بأعلى صوتهم، يطلبونهم بل ويطالبونهم بالتدخل في شؤون مصر الداخلية. وهذا يعني أن يدرك المواطن العربي أن هناك فرقاً بين «الإخوان» وبين المسلمين، فتصرفات «الإخوان» لا تتفق مع تصرفات المسلمين.

أما «إخوان» الخليج فكانوا من الأتباع؛ فمن تابع تغريدات بعض كبار رموز «الإخوان» في الخليج بالأمس، لابد أن يصاب بالصدمة من مواقفهم ضد أوطانهم، وفي المقابل مواقفهم مع «الإخوان» في مصر. ومن خلال متابعتي لتغريدات بعض أولئك خلال تفريق اعتصامات رابعة العدوية والنهضة في القاهرة، كان مدهشاً حجم الصراخ والعويل بل والتحريض من أولئك الأشخاص و«الابتهالات» و«الدعوات» على كل من يخالفهم ويعارضهم! قد نتفهم أن تصدر هذه التصرفات الحادة من «إخوان» مصر أو من مؤيديهم المصريين، بل وحتى المواطنين المصريين... لكن هذا الاندفاع نحو مصر من «إخوان» الخليج وكأنهم حريصون عليها أكثر من أهلها وبالتالي يدافعون عنها بكل ما يملكون، يبدو ساذجاً... فالمصريون يدركون أنهم يدافعون عن أبناء جماعتهم وتنظيمهم وليس عن مصر. سقطت الأقنعة ولم تعد الشعوب تخدع بشعارات «الإخوان» الكاذبة.

*نقلا عن "البيان" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.