هل فشل أوباما في الشرق الأوسط؟

سركيس نعوم

نشر في: آخر تحديث:

فاجأ وزير الخارجية الأميركي جون كيري في أثناء زيارته الأخيرة لباكستان بلاده والعالم بقوله تعليقاً على أحداث مصر "ان الجيش المصري لم يستولِ على السلطة ولا يسعى إلى إدارة الدولة. إذ هناك حكومة مدنية. وهو يعمل لإعادة الديموقراطية إلى بلاده". أثار هذا الموقف انزعاج جهات أميركية عدة وإعلاميين كثيرين، فاعترضوا على سياسة الرئيس باراك أوباما حيال تطورات مصر وتناقضاتها أو لا سياسته. كما عزز اعتراضات أخرى على سياساته حيال "الربيع العربي" وخصوصاً في مصر وسوريا.

وقد يكون من المفيد اطلاع اللبنانيين وغيرهم على عدد من المواقف الاعتراضية، إذ ربما يدفعهم ذلك إلى تحمّل مسؤولياتهم حيال ما تشهده بلدانهم، وإلى الكف عن تحميل أميركا "العظمى" وغيرها مسؤولية إما الاضطراب والثورات فيها وإما منع العنف والفتن الدموية من الوصول إليها. والبدء بمصر وموقف أوباما من أزمتها مهمٌ كونها الدولة العربية الأكبر التي يؤثر دخولها مرحلة الفوضى على المصلحتين الحيويتين والاستراتيجيتين لأميركا في الشرق الأوسط، وهما أمن اسرائيل المتصالحة رسمياً مع مصر، والنفط واستطراداً الإرهاب الذي صار منذ الربع الأخير من القرن الماضي، إسلامياً أصولياً سنياً وشيعياً في آن واحد.

ففي الموضوع المصري قال أحد المحللين والباحثين الأميركيين في تحليل له نشر في وسائل الإعلام (اسمه والتر راسيل ميد): "كلا. ان الجيش المصري لا يعيد الديموقراطية إلى مصر. فأنت لا تستطيع إعادة شيء لم يكن موجوداً. وتحتاج الديموقراطية، لا لكي تعاد وإنما لكي تؤسس، إلى أكثر من عمليتين انتخابيتين عامتين. فهي تتطلَّب مؤسسات واتفاقات ضمنية في الداخل وقواعد اجتماعية. ومعظم المطلوب هذا غير متوافر في مصر. كما يتوقف تأسيس الديموقراطية على وجود مستوى أساسي من التقدم الاقتصادي ومن الازدهار أو على الأقل البحبوحة، وذلك كله لا يبدو أنه سينبت قريباً على ضفاف نهر النيل. الجيش لم يكن يحاول بناء ديموقراطية، كان يحاول إعادة النظام، وحماية ما يسمى "الدولة العميقة" بالتوافق في شكل أو في آخر مع قسم مهم من الطبقة الوسطى ومن أبناء المدن المصرية. هذه هي بداية ونهاية ما حصل في مصر وما قد يحصل. لا يبدو أن الديموقراطية هي الآن على "اللائحة" في مقهى مصر (Menu)".

أين أخطأت أميركا في أثناء معالجتها تطورات ربيع مصر وثورتيها منذ يناير 2011؟
يقول الباحث والمحلل الأميركي نفسه ان إدارة أوباما وضعت خياراً استراتيجياً أساسياً لكنه لم يحقق النتائج المطلوبة منه. فمسؤولوها قرروا دعم "الإخوان المسلمين" في مصر بغية إزالة "السم" من علاقاتهم في الشرق الأوسط، وإشاعة الاعتدال في أوساط الإسلاميين في العالم. لكن تنامي "التسلطية" عند رئيس وزراء تركيا الإسلامي ("الإخواني") أردوغان وكارثة محمد مرسي ("الإخوان") رئيس مصر دمَّرا الاستراتيجيا المذكورة وجعلاها أنقاضاً، ودفعا الإدارة إلى البحث عن أفكار جديدة لاستراتيجيا أخرى.

إلى ذلك يلفت الباحث الى أن إدارة أوباما تصرفت بلا مسؤولية أو بجهل فخسرت احترام الجميع. فهي تخلت عن حسني مبارك في سرعة وتعاونت مع "الإخوان" ثم تخلت عنهم. ولا يمكن في هذا المجال لوم المصريين لاعتبارهم أن صداقة الاميركيين وضماناتهم والتزاماتهم لا قيمة لها. ونادراً ما ظهرت إدارة أميركية غير منطقية وعابثة أو تافهة على النحو الذي ظهرت فيه إدارة أوباما. فهي تحاول الآن تربيع الدائرة. فمن جهة لا تريد إهانة الجيش المصري، ومن جهة أخرى تريد حماية حقوق المصريين وحرياتهم والاحتفاظ بصدقيتها عند جماعة الرئيس المعزول. والمؤسف أن جيش مصر يتعامل مع أميركا اليوم بلامبالاة. فدعمها لن يساعده. وتوبيخها أو تعنيفها لا يؤذي.

هل يتأذى أوباما من أخطاء استراتيجيته في الشرق الأوسط؟
لحسن الحظ، يقول الباحث والمحلل الأميركي نفسه، لا يريد الرأي العام الأميركي أن يفكّر كثيراً هذه الأيام في الشرق الأوسط على رغم هبوط عدد مؤيدي أوباما في الاستطلاعات. لكن فشل الأخير في الشرق الأوسط سيدمِّر سياسته الخارجية في العالم كله. والسياسات التي اعتمد في ولايته الأولى لم تعد تفيده في الثانية التي بقي له منها ثلاث سنوات. وقد يكون مفيداً له تغيير أو تبديل الكثيرين من مساعديه وخصوصاً إذا أراد تغيير مقاربته للشرق الأوسط وروسيا. وذلك أمر ضروري.

*نقلاً عن "لانهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.