سؤال تحول إلى مبادرة

علي إبراهيم

نشر في: آخر تحديث:

بدأت الموجة الدبلوماسية الهائلة التي نشهدها تتحرك اليوم متنقلة بين عواصم العالم وتعدت سوريا إلى إيران بسؤال من صحافية في لندن يوم 9 سبتمبر (أيلول) الحالي في المؤتمر الصحافي المشترك في لندن لوزيري خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا في لندن عما إذا كان هناك شيء يمكن أن يفعله الأسد لتجنب الضربة العسكرية التي طلب الرئيس الأميركي من الكونغرس الموافقة عليها. وكان الرد الذي بدا لأول وهلة كزلة لسان من جون كيري بأنه إذا كشف الأسد عن أسلحته الكيماوية خلال أسبوع وتخلى عنها فيمكن تجنب الضربة، لكنه لن يفعل ذلك، وحاولت الخارجية الأميركية بعد ذلك التخفيف من وقع الإجابة بالقول: إن ذلك كان ردا افتراضيا على شيء افتراضي.

لكن ما بدا زلة لسان، أو سؤالا عابرا وإجابة افتراضية، أثبتت الساعات والأيام التالية له أنه كان أكثر من ذلك، فقد التقطت موسكو الإجابة المختصرة وحولتها إلى مبادرة قبلتها على الفور السلطة السورية في دمشق وسط دهشة كثيرين بينهم حلفاء لواشنطن أربكتهم التطورات لتتوج بمباحثات ماراثونية في جنيف بين وزيري خارجية روسيا وأميركا على مدار ثلاثة أيام بلورت مبادرة متكاملة ما زالت تحتاج إلى إثبات قدرتها على التحقق على أرض الواقع وإن كانت في حقيقة الأمر أعطت جميع الأطراف فرصة للتنفس بعدما كانت عجلة العمل العسكري تدور بسرعة كبيرة.

ويصعب تصور أن هذه المبادرة التي حصلت على زخم سريع للغاية غير معهود في الدبلوماسية الدولية بين أطراف كانت على وشك دخول لحظة صدام، جاءت وليدة صدفة سؤال أو جواب في مؤتمر صحافي، أو عدم ربطها بالمناقشات على انفراد بين الرئيسين الأميركي والروسي في قمة العشرين في روسيا، أو مشاورات وأفكار سابقة طُرحت حتى تبلورت هذه المبادرة التي لا تزال محل جدل وتفسيرات مختلفة كما ظهر أمس بعد مباحثات باريس بين القوى الغربية.

خطوة إلى الأمام أم قفزة في الهواء؟ هذا هو السؤال الحقيقي حول اتفاق جنيف الأميركي – الروسي الذي ستجيب عنه الأيام خاصة خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة وجولة المباحثات الثانية الروسية - الأميركية وما إذا سيكونان قادرين كما أعلن على فتح الباب أمام بدء مفاوضات جنيف 2 للسلام بشأن عملية الانتقال السياسي في سوريا.

قد تبدو المعارضة السورية التي كانت تأمل في ضربات عسكرية تميل كفة التوازن لصالحها بعد أن حققت قوات النظام أخيرا مكاسب على الأرض، هي أكبر الخاسرين من هذا الاتفاق الكيماوي، لكنها من جانب آخر يمكنها الاستفادة منه إذا نظرت إليه باعتباره أول اتفاق دولي يلزم النظام السوري بإجراءات تحت تهديد القوة بإجراءات ستستدعي في نهاية الأمر وجود مفتشين وقوات على الأرض لتفكيك الأسلحة الكيماوية، ولن يكون بالنتيجة قادرا على تحريك قواته العسكرية ومواصلة القصف في ظل الخطوات العملية على الأرض التي يستتبعها تنفيذ الاتفاق.

وهذا ما يدعو إلى القول: إنه إذا فتح الباب لانعقاد جنيف 2 سواء في جنيف أو أي مكان آخر لبحث الحل السياسي للأزمة السورية، فيجب ألا تضيع المعارضة الفرصة التي ستتاح بالمشاركة في مثل هذا المؤتمر لوضع النظام أمام اختبار استحقاقات نقل السلطة، فإن حلفاء النظام الرئيسيين لن يستطيعوا تقديم الغطاء له للمماطلة خاصة بعدما خرج تقرير الأمم المتحدة ليؤكد وقوع جريمة حرب باستخدام غاز السارين ضد مدنيين، وفيه إشارات عن نوعية السلاح المستخدم تتجه بأصابع الاتهام إلى النظام.

لقد أعطى اتفاق نزع الأسلحة الكيماوية النظام السوري مهلة زمنية لكنه أيضا على الجانب الآخر، عكس تململ أهم حليفين له موسكو وطهران منه وفتح بموافقة روسية الباب أمام استخدام الفصل السابع في الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة إذا خالف النظام التزاماته.

نقلاً عن "الشرق الأوسط" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.