الكونغرس أم المرض؟

أمجد عرار

نشر في: آخر تحديث:

منذ مطلع هذا العام تنبأ الخبير المالي الأمريكي نورييل روبيني، بما يمر به الوضع المالي في الولايات المتحدة، وتوقّع أن تفشل عملية خفض الضرائب في إصلاح الوضع الاقتصادي في أمريكا . ورغم توقيع الرئيس الأمريكي باراك أوباما على قانون خفض الضرائب، إلا أن روبيني استشرف منذ ذلك الوقت أن جولة جديدة من الأزمة المالية ستنشأ . بل إنه توقّع نشوب نزاعات بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن الدّين الحكومي والضرائب . وهذا ما حصل في الأسابيع الأخيرة حيث أزمة الدّين تستفحل .


ثمّة غرائب مضحكة مبكية في آخر استطلاع لرأي الأمريكيين حول ما آلت إليه أوضاع أكبر بلد رأسمالي في العالم . ويبدو أن الكلام السياسي الجاف والأسئلة المباشرة التقليدية لم تعد قادرة على إخراج الأمريكي العادي من دائرية الأجوبة الرتيبة والمتشابهة رأساً برأس وذيلاً بذيل، فكان لا بد من مفارقات ومقارنات غير اعتيادية، فلعلّ ما يضحك في البلية يستخلص الشر من براثن الواقع المر، في بلد يرشي شعوب العالم الثالث والعاشر بالأرز والسلاح، في حين أن الملايين من أبنائه جائعون، ويناقش مواصلة أو وقف “المساعدات” لهذه الدولة أو تلك، فيما يدور هو في فلك الإفلاس ولا يتحرّج من الإعلان أنه وصل إلى وضع لا يقبض الرئيس راتبه، بغض النظر عن حاجة هذا الرئيس وذاك النائب إلى الراتب .


هل من واقع أصعب من أن يصل الازدراء بالكونغرس حد تفضيل أغلبية الناخبين الأمريكيين الإصابة بالمرض عليه؟ ليس أي مرض، إنما البواسير، وهو مرض مزعج ومؤلم إلى أبعد الحدود، ومع ذلك فإن الاستطلاع أظهر أن ثلاثة وخمسين في المئة من الأمريكيين يحتملون هذا المرض أكثر من قدرتهم على احتمال كونغرسهم .


الدولة التي تحتل مخيّلة الأجيال الناشئة في الدول النامية والشعوب الفقيرة، يقول نصف عيّنة مستطلعة فيها إنهم يقدّرون المشعوذات أكثر من المشرّعين، وهي نتائج تنسجم مع غضب الأمريكيين من نظام اقتصادي غني بالوعود فقير بالوفاء بها، وقد وصل به مسار النسخة المحدثة للأزمة أن يتوّج الدوران في حلقاته المفرّغة بالشلل الحكومي بعدما فشل الكونغرس في التوصّل إلى اتفاق حول الموازنة، ثم وصلت الأزمة إلى حد وضع الأسواق في العالم كله على شفير هاوية قبل التوصّل في اللحظة الأخيرة لاتفاق على رفع سقف الدين . بلد السلطات الثلاث، تفشل سلطتاه الأولى والثانية في التفاهم، فيما السلطة الثالثة لا تملك أن تداعب صلاحيات ليست لها .


الاحصاءات تقول إن كل أربعة أمريكيين من أصل خمسة يتصارعون مع البطالة والفقر، وليس أدل على ذلك من سوء الأمن الاقتصادي واتجاه معاكس لمثالية الصورة المتشكّلة في مخيلة الحالمين من الشباب المولودين بعيداً عن واقع الحياة الحقيقية في أمريكا حيث الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد اتساعاً، وحيث الفقر لم يعد حكراً على الأقليات العرقية، وفرص العمل تعاني الضيق، كما أن الظلم الداخلي وعدم المساواة في الدخل يتسيّدان المشهد .


ليست صورة مشتهاة أن نرى فقراء أمريكا يدفعون ثمن بؤس النظام الاقتصادي والسياسي في بلادهم، لكن التاريخ يقدّم الدرس تلو الآخر على أن البرجوازية تحفر قبرها بيديها .

*نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.