عاجل

البث المباشر

نايلة تويني

كاتبة لبنانية

كاتبة لبنانية

الحقيقة المرة في عاصمة الشمال

الجولة الـ 17 من الاقتتال الدائر في عاصمة الشمال لم تجد اتفاق هدنة بعد، ويبدو انها لن تجد خاتمة سعيدة، ولا تسوية تلوح في الافق، كأن الصراع بين المحورين الخليجي السني، والايراني السوري الشيعي العلوي، لم يجد مساحة لتصفية الحسابات غير طرابلس، اذا صدقنا ان المعركة صارت اقليمية، وان المحور المشار اليه قادر على ان يغير المعادلات على امتداد منطقة الشرق الاوسط.
الوضع في الشمال لم يعد مقبولا بكل المقاييس الانسانية والامنية والوطنية. ولم يبذل احد جهدا حقيقيا لصفقة ما، او لتسوية حقيقية تنهي حال النزاع المستمر والذي يقتات من اجساد الفقراء ويمتص دماءهم. هؤلاء الفقراء لا يعرفون مصلحتهم، يظنون انهم يدافعون عن وجودهم غير المهدد اصلا. فالتركيبة اللبنانية كفيلة بالمحافظة على كل المجموعات والطوائف والمذاهب والاحزاب، حتى شبه المنقرض منها.
فقراء طرابلس دخلوا في لعبة الامم، يتنازعون، يتقاتلون ويقتلون، لا لشيء يدركونه جيدا، بل تحولوا ادوات تفجير كلما اراد اللاعب المحلي او الاقليمي ذلك، بعدما تحول اللاعبون ايضا ادوات.
وفي طرابلس ثمة حقائق كثيرة يجهلها الناس. ويطرحون الاسئلة التي لا يجدون عنها اجابات شافية. ونحاول معهم الاقتناع بمبررات تقاعس عدد كبير من الافرقاء إما في الاجابة وإما في توفير الحلول.
يقال في باب التبانة وجبل محسن، ان اجهزة امنية تتدخل سلبا في جولات الاقتتال، وهي توفر الحماية لقادة المحاور، وتمد المتقاتلين بالسلاح، وتسهل انتقالهم، وتمرر لهم المؤن. واذا كان كل ذلك صحيحا، فمعناه ان الاجهزة الامنية الرسمية تشارك في القتال، وقد تحولت ايضا ادوات تفجير للخارج الذي يريد اشعال الحرب. ولا اتهام للجيش وحده بالتقصير، بل ايضا لقوى الامن الداخلي، والامن العام، وامن الدولة، وكلها تشارك في خطط امنية، وتتسابق في تعداد الإنجازات، وتتبارى في تبني بعض العمليات الناجحة، من غير ان يعلن اي جهاز مسؤوليته عن الفشل المتمادي في طرابلس، فالفشل دائما يتيم الاب.
ولا نريد ان نصدق ايضا ان رئيساً للحكومة ووزراء، وتحت عنوان عمل الخير، يمدون المسلحين بالاموال الشهرية، مما يعني انهم يعملون بخلاف ما يعلنون للاعلام، ويضربون صدقيتهم في السعي الى إنهاء جولات الاقتتال.
صحيح ان ثمة حسابات اقليمية كبيرة ومعقدة، ظاهرها نزاع سني - شيعي، وربما كانت اقوى واقدر من اللاعبين المحليين، لكن الحقيقة ايضا ان تضييق الاجهزة الامنية على المتقاتلين، ومنع المساعدات والاعانات عنهم، ورفع الغطاء السياسي، ستجبر المسلحين على الاستسلام. اما الحل الآخر، فيكون بان تحسم الحكومة امرها، فتطلق يد الجيش في شارع النزاع لضرب الفريقين وكل من تسول له نفسه اطلاق النار على المواطنين وعلى الجنود معا.
ان عدم القيام بأي مبادرة بعد 17 جولة من العنف في طرابلس يعني حكما الفشل السياسي والامني، ويعني ضرورة مطالبة رئيس الحكومة ووزراء المدينة اولا، ثم الحكومة مجتمعة، ومعها القادة الامنيون، بالذهاب الى منازلهم، او محاسبتهم على التقصير المتعمد، فينقذون انفسهم من لعنة التاريخ الذي سيسجل ان هيبة الدولة سقطت امام حفنة من المتقاتلين.
انها صرخة ضمير، وصرخة ألم، ونداء من كل مواطن طرابلسي، بل من كل لبناني شريف، لان السكوت لم يعد مقبولا، وفيه تواطؤ مع القتلة.


*نقلاً عن "النهار" اللبنانية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات