إلى متى تبقى أميركا «عدوة» حلفائها؟

هدى الحسيني

هدى الحسيني

نشر في: آخر تحديث:

الإدارة الأميركية تسير، وعلى مفترق كل طريق تصدم أو تتخلى عن أصدقائها أو حلفائها.

الشرق الأوسط لم يستفق بعد من صدمات هذه المواقف الأميركية.. أوروبا تستفيق بداية كل أسبوع على حبل كان يشد حول أعناق زعمائها ومواطنيها، والحبل أميركي تجسسي، وهي لم تكن لتلحظ.

أما أعداء أميركا، فإنهم، كما قال عنهم يوم الأحد الماضي ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، متجاوزا دوره في عمليات التجسس في زمن الحرب على الإرهاب، «لم يعودوا يخشوننا، أما أصدقاؤنا فلم يعودوا يعتمدون علينا لأنهم لم يعودوا يثقون بنا». وأعرب عن الشك في قدرة إدارة الرئيس باراك أوباما على إجبار إيران على الامتثال للمطالب التي تدعوها لإظهار أن برنامجها النووي سلمي.. قال: «أصدقاؤنا في المنطقة متخوفون من أن العملية الإيرانية ستذهب في طريق العملية السورية نفسه.. أي إنه سيصدر كلام جريء وقوي عن الإدارة، وفي النهاية لن تفعل شيئا».

الرئيس أوباما بارع في إلقاء الخطب المؤثرة، وبارع في المراهنة على أن أميركا في المستقبل لن تحتاج إلى نفط وغاز العرب. أسقط العراق وأسقط ليبيا.. دولتين نفطيتين، وأسقط مصر الدولة ذات الدور الاستراتيجي.

أما المملكة العربية السعودية، فإنها تنتج ما يقرب من 10% من الإجمالي العالمي للنفط.. إنها أكبر دولة مصدرة للنفط وأساسية في التأثير على أسعار النفط التي لا تزال مرتفعة، وتشير كل التقارير إلى أن الولايات المتحدة ستظل في حاجة إلى النفط السعودي في المستقبل المنظور. وإذا كانت كل الخيارات مطروحة على الطاولة، فما الذي يمنع الرياض من إبرام عقود طويلة الأمد مع الصين التي «تبتلع» النفط. والمعروف أن السعودية هي القوة الصلبة التي تحافظ على منظمة «أوبك» مربوطة بنظام البترودولار. ماذا إذا قررت التخلص من البترودولار؟ ثم مع عام 2020 فإن الصين ستستورد 9.2 مليون برميل يوميا.

لكن بالنسبة لسوريا، فمع بداية الثورة فيها أعلن أوباما أن إدارته ستركز قوتها على آسيا، وأدار وجهه بعيدا عما يجري.. ثم، وكما قال تحقيق «نيويورك تايمز» (22 - 10 - 2013)، إن الرئيس كان يقرأ رسائل هاتفه أثناء مناقشة الوضع في سوريا.. كان يصدر بين سنة وأخرى تصريحا إما يتعلق بضرورة تنحي الرئيس السوري بشار الأسد، أو بوضع خط أحمر على استعمال السلاح الكيماوي. ومن مصادر أميركية مطلعة، فإن الرئيس شخصيا لم يكن مستعدا لأي عمل عسكري، فهو كما يردد انتخب لأنه ضد الحرب لا ليشعل حربا جديدة في الشرق الأوسط.

ومع ردود الفعل الغاضبة حتى من قبل مسؤولين أميركيين على موقف الإدارة، بدأ تسريب التبريرات، بأن الإدارة تجنبت فكرة تغيير النظام في سوريا من أجل الحفاظ على الاستقرار وعلى الدولة، ثم إنها وقعت في ارتباك لأنه ما كان يمكن أن تعمل على هدف يرضي المصالح الاستراتيجية للحلفاء الإقليميين عربا وغير عرب.

كما أن إدارة أوباما أخذت بعين الاعتبار الأوضاع الاجتماعية والتقليدية القائمة في سوريا، ووجدت أن تطعيمها بقيم ليبرالية أو ديمقراطية أمر صعب جدا.. ثم إنها لم تعرف طريقة تحفز العلويين والأقليات الأخرى أو طبقة رأس المال على الانفصال عن النظام، مع العلم بأنها منذ البداية كانت على استعداد لتقبل بديل عن الرئيس السوري من داخل الطائفة العلوية إنما غير مرتبط مباشرة مع النظام ويعمل على دمج المعارضة المعتدلة في نظام جديد. واشتكت الإدارة من أنها كانت تدعم شكلا من أشكال النظام السياسي التعددي، في حين أن الحلفاء الإقليميين كانوا ضد أي نوع من الحكم لا تكون الأغلبية فيه هي التي تحكم.

هذه تبقى تبريرات، لأن ما جرى ويجري في كل من العراق وليبيا لا يشير إلى رغبة أميركية في إتمام أي مهمة بدأتها.

منذ توليه السلطة والرئيس الأميركي يوجه الإشارات والرسائل إلى القيادة الإيرانية.. من «اليد الممدودة» التي تنتظر أن تلاقيها قبضة غير محكمة، إلى الشعور بالانتصار جراء مكالمة هاتفية يراهن الرئيس الأميركي بها على تحقيق إنجاز وحيد في رئاسته، وهو الوصول إلى إيران والمصالحة معها مهما كان الثمن.

«الفتوى» التي يتمسك بها الرئيس الأميركي لم يقرأها أحد حتى الآن، ثم إن الفتاوى تتغير مع تغيير الظروف والأوضاع. والتصريحات الإيرانية الأخيرة عن منشأة فوردو «الخط الأحمر»، ورفض تجميد تخصيب اليورانيوم حتى نسبة 20%، ليست سوى بداية لطريق «وردي» لن ينتهي.. ثم إن إيران الرئيس الجديد حسن روحاني أعدمت في لحظة واحدة 16 معتقلا من دون محاكمة، أو عدالة، وذلك في رد فعل على قتل «جند العدل» 16 من رجال الحدود الإيرانية. في إيران روحاني، لا يزال الرئيس الأسبق محمد خاتمي ممنوعا من السفر، والأسبوع الماضي رُجمت أربع نساء حتى الموت، وجرى اعتقال 100 كردي في طهران، ويستمر النظام في حملته المسعورة ضد عرب الأهواز، ومنذ انتخاب روحاني أعدم رسميا 150 شخصا.

ونصل مع الإدارة إلى انكشاف دور وكالة الأمن القومي الأميركي.. المرشح أوباما زار برلين فخرجت العاصمة الألمانية تصفق له ولشعار «نعم نستطيع».. برلين اليوم انقلبت عليه.. يوم الاثنين الماضي استفاقت إسبانيا على عملية تجسس أميركية طالت 60 مليون مكالمة هاتفية خلال شهر، ثم اكتشف اليابانيون أن حكومتهم السابقة رفضت طلبا أميركيا كي تراقب وكالة الأمن القومي الأميركي كابلات الألياف البصرية للتجسس على الصين.

عندما تسلم أوباما السلطة تكلم عن إعادة القيم الأميركية إلى السياسة الخارجية الأميركية.. عن وضع حد للتعذيب وإقفال معتقل غوانتانامو.. الأمر الذي لم يشر إليه إطلاقا هو اتخاذ إجراءات للجم «دولة المراقبة» التي تضخمت وكبرت منذ حقبة الحرب على الإرهاب.. لم يفعل شيئا، وربما وافق عليها كما في حالة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

ما يقلق أن الأميركيين انكشفوا بهذه الطريقة، ومن المتوقع المزيد، خصوصا أن هذه الوثائق يجري تسريبها ببطء وتدريجيا.

هناك امتعاض من نسبة التجسس الأميركي: رئيسة البرازيل ديلما روسيف افتتحت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بشن هجوم على التجسس الأميركي عليها، وألغت زيارة كانت مقررة لها لواشنطن رغم اتصال أوباما.. هناك امتعاض في المكسيك وأغلب دول أميركا اللاتينية.. في أوروبا والآن في اليابان.

لم يعد مهما ما سيجري اكتشافه بعد، فالضرر وقع، وعلى الرغم من هذا الكنز من الوثائق التي وضعها إدوارد سنودن أمام العالم، فإننا لاحظنا أنها لا تحتوي على ما يضر أو يسيء لمناوئي الولايات المتحدة.. لم نرَ تجسسا على روسيا أو الصين أو الشرق الأوسط (إيران وسوريا). هذه الأمور فتحت نقاشات في دول صديقة لا يرغب الأميركيون في أن تطرح خصوصا اليابان، لأن التحالف الأمني بين أميركا واليابان (منذ 50 عاما) والقواعد العسكرية الأميركية كلها مرفوضة من الرأي العام الياباني، ثم إنها تحتاج للمصادقة عليها كل 10 سنوات.

الصعوبة في كل هذه الأوضاع أن الإدارة الأميركية تقوم بالتجسس على أصدقائها، وبالتخلي عن حلفائها، وتصيخ السمع وتمد يديها لمناوئيها.

نقلا عن صحيفة "الشرق الاوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.