شروط الحوار الاستراتيجي بين مصر وأمريكا

عاطف الغمري

عاطف الغمري

نشر في: آخر تحديث:

لا تزال الدوائر السياسية في أمريكا، والتي تعتبر شريكاً في صياغة السياسة الخارجية، من مراكز بحوث ومؤسسات أكاديمية، مشغولة بما طرحه جون كيري أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة، عن إجراء حوار استراتيجي بين مصر والولايات المتحدة .

وكان كيري قد أعلن في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية المصري نبيل فهمي، أن العلاقات بين البلدين، لا ينبغي اختزالها في مسألة المساعدات . وقال إن الرئيس المصري عدلي منصور، وجه منذ فترة دعوة للرئيس أوباما، للبدء في حوار استراتيجي بين البلدين، ويسرني أن أعلن قبولنا هذا الحوار .

مثل هذا الحوار هدفه الخروج من حالة التوتر الراهن في العلاقة المصرية - الأمريكية . لكن الأهم هو بناء أساس مبدئي للحوار، وفق مبادرة تتقدم بها مصر، تضم تفصيلاً لجميع جوانب العلاقة عبر السنوات الماضية . وما شملته من إيجابيات، وما شابها من سلبيات، وكذلك طرح تصور لمستقبل العلاقة .

وجدير بالذكر أن مسألة الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومصر، ليست جديدة . فقد بدأت في عام 1998 في واشنطن . وكان يمثل مصر وزير خارجيتها وقتئذ عمرو موسى، ويمثل الولايات المتحدة وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت . واتفق الجانبان على أن يتحول الحوار إلى عمل مؤسسي مستمر، تتابع فيه جلسات للحوار بين مسؤولين من البلدين . وكان التصور الذي طرح من الجلسة الأولى في واشنطن، أن تكون العلاقة أوسع مدى من حدود العلاقة الثنائية، بحيث تتناول تعاوناً أشمل، يمتد إلى بقية المنطقة العربية، وإفريقيا، والعالم الإسلامي، في القضايا التي تمثل مصالح مشتركة للطرفين على السواء، وأن يتم تحديد نقاط الخلاف السياسية، حتى لا تؤثر في نقاط الاتفاق، باعتبار أن لكل منهما ظروفها، وانتماءاتها، وعلاقاتها، ومصالحها .

لكن هذه الخطوة المبدئية، سرعان ما انتكست مع مجيء جورج بوش إلى الحكم عام ،2001 وصياغة إدارته لسياسة خارجية تربط توجهاتها السياسية، بما يجري داخل دول أخرى - خاصة دول عربية - وهو ما تضمنته استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أعلنها البيت الأبيض في 20 سبتمبر ،2002 والإعلان عن سياسة خارجية، اعتبرت أن الشأن الداخلي في أي دولة، لا يكون شأناً داخلياً يخصها وحدها، طالما إنه يؤثر - من وجهة النظر الأمريكية - في مصالح أمنها القومي .

وبالرغم من أن مجيء أوباما رئيساً قد جلب معه آمالاً في تغيير هذا المسار للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، إلا أن ما حدث في مصر في 25 يناير، ثم في الموجة الثانية للثورة في 30 يونيو، قد شهد اندفاعاً هجومياً من إدارة أوباما، في مواجهة إرادة المصريين، التي أزاحت نظام حكم الإخوان، وصل إلى حد انتهاك سلوك دبلوماسي مضاد للحكومة المصرية الجديدة، وفرض عقوبات بالنسبة للمعونة العسكرية، منها تعليق شحن أربع طائرات "16 F"، وطائرات أباتشي المروحية القتالية، ودبابات "M-1"، رغم أن الأباتشي تستخدم في مكافحة الإرهاب في سيناء، الذي تشارك فيه عناصر من تنظيم القاعدة، مرتبطة بالإخوان .

بعدها عقدت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، جلسة استماع، في أول نوفمبر ،2013 صب خلالها بعض النواب، غضبهم على إدارة أوباما، لعدم استشارتها الكونغرس، عند إتخاذ قرارها .

ثم جاءت زيارة جون كيري وزير الخارجية للقاهرة، تحركاً عاجلاً لاحتواء النتائج السلبية من القرار، والتي ظهرت في رد فعل شعبي في مصر غاضب وبعض يدعو لرفض المعونة، وصلابة موقف دول الخليج الداعم لمصر، وكذلك التحرك المصري تجاه تنشيط العلاقات مع روسيا . وأعلن كيري في القاهرة عن استعداد بلاده لبدء الحوار الاستراتيجي مع مصر .

هنا، كان لا بد من الإعداد لمبادرة مصرية، تسبق الحوار، وتتناول مجمل العلاقة، وتتضمن رؤية استراتيجية، لمختلف جوانب العلاقة مع أمريكا، ومع غيرها، وتحديداً واضحاً للمصالح الاستراتيجية لمصر، وأهمية احترام إرادة شعبها، وعدم تجاوز حدود العلاقة بالتدخل في الشأن الداخلي، والإقرار بأن إدارة السياسة الخارجية، والشأن الداخلي، هما مسألتان ينبغي على كل طرف احترام إرادة الطرف الآخر بشأنهما . وكذلك التفكير في طريقة إصلاح الخطأ الاستراتيجي لإدارة أوباما أثناء حكم الإخوان، لأنها ضيقت إطار العلاقة من كونها علاقة بين دولتين، وحولتها إلى علاقة بين دولة كبرى، وبين تنظيم لجماعة سياسية . وهو ما كان السبب الأساس في التوتر الذي وصلت إليه العلاقة في الفترة الأخيرة .

إن لكل دولة بالضرورة، استراتيجيته للسياسة الخارجية، تحتوي وضوحاً تاماً لعناصرها، ومكوناتها، وأهدافها، وهو ما يجعل أي دولة أخرى تتعامل معها، مدركة تماماً طبيعة الدولة صاحبة الاستراتيجية، ومصالحها، وطريقة التعامل معها . معنى هذا أنه لا بد أن تتشكل لدى مصر وفوراً استراتيجية متكاملة للسياسة الخارجية، تكون الأساس الذي يعيد التوازن للعلاقة بين مصر وأمريكا، في إطار احترام المصالح المتبادلة، وذلك في إطار أوسع من التنسيق مع الدول العربية، وبخاصة تلك التي اتخذت موقف مساندة مصر، في مواجهة ضغوط خارجية، هدفت إلى التأثير في الإرادة الوطنية للمصريين.

نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.