أين ولماذا تتعاون أمريكا وروسيا؟

عصام نعمان

نشر في: آخر تحديث:

بعد فترة هجوع مؤقت انتهت بإعلان الولايات المتحدة رسمياً تصفية بن لادن في باكستان ونثر رماد جثمانه في البحر، عاد تنظيم "القاعدة" إلى الظهور إعلامياً والنشاط ميدانياً بالتزامن مع صعود ظاهرة ما يسمى "الربيع العربي" . هذه الظاهرة اتسمت بصعود حركات إسلامية شتى، أبرزها الإخوان المسلمون، في مختلف بلدان عالم العرب وعالم العجم، ولاسيما في بلدان القوقاز داخل روسيا الاتحادية وفي جمهوريات آسيا الوسطى التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أواخر القرن الماضي .
ولعل الظهور الأفعل ل"الإسلام القاعدي" (نسبة الى "القاعدة") تجلّى أكثر ما يكون في العراق مع انحسار الاحتلال الأمريكي أواخر العام ،2011 وفي سوريا مع عسكرة "الثورة" خلال العام 2012 . لكن، بالتزامن مع أحداث العراق وسوريا الدموية، فجّر "الإسلام القاعدي" "ثورات" مماثلة، أقل فعالية، في اليمن والجزائر ومالي وسيناء وتونس، وبَنَت حركات إسلامية منتمية إليه وناشطة تحت رايته حضوراً ملموساً لها في شمال لبنان وشرقه كما في بعض مخيمات اللاجئين الفلسطينيين .
ثمة حقيقة راسخة مفادها أن للولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها الإقليميين دوراً في تنشيط حركات "الإسلام القاعدي" وتمويلها وتسليحها، خاصةً في العراق وسوريا، وذلك في سياق مواجهة نظاميهما المواليين، في تقديرها، لإيران . وقد نجح تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" أو كاد، في السيطرة على محافظة الأنبار المترامية الأطراف في بلاد الرافدين، كما في استنزاف قوات الجيش والأمن الداخلي في محافظات عدة . وفي سوريا، تمكّن تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" "داعش"، بالتعاون مع تنظيم "جبهة النصرة"، من السيطرة على مناطق من أرياف محافظات إدلب وحلب ودير الزور . ويبدو أن "داعش" منهمك، في هذه الآونة، في جهود موصولة للسيطرة على المواقع والمناطق التي يهيمن عليها "الجيش السوري الحر"، وقد نجح في حملته هذه بشكل ملحوظ .
فعالية حركات "الإسلام القاعدي" ونجاحها الميداني، ولاسيما في العراق وسوريا، أقلقا الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين، إضافة إلى روسيا التي تعاني عمليات "إسلامية" عنيفة داخلها كما في جمهوريات القوقاز التابعة لها . وكانت روسيا، إزاء عمليات دموية نُسبت إلى تنظميات إسلامية راديكالية في داخلها كما في جمهوريات الشيشان وداغستان وتتارستان وغيرها، قد أجرت تعديلات جذرية على القانون الجنائي الروسي تُعاقب على المشاركة في تشكيلات مسلحة غير شرعية في أراضي دولة أخرى . وقد أُقرت التعديلات على خلفية توجّه روس مسلمين، قيل إن عددهم يربو على ،400 إلى سوريا للقتال ضد قوات النظام .
لا غلوّ في القول إن "الإسلام القاعدي"، من بين تحديات أخرى تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم، بات الحفّاز الأول لدفعها إلى التوافق مع روسيا، ومن ثم مع إيران، بغية مواجهته ومنعه من تعطيل سياسة أمريكا والإساءة إلى أمن حلفائها، وحتى خصومها .
لعل للتحفيز على التوافق بين القطبين العالميين محاور ثلاثة: سوريا والعراق وفلسطين . هذه الدول متكاملة استراتيجياً في نظر الولايات المتحدة، بمعنى أن سيطرة "الإسلام القاعدي" في إحداها يؤثر بالضرورة في الأُخريين . لذلك تقارب واشنطن الأزمات القائمة في كلٍ من الدول الثلاث بالتزامن مع بعضها بعضاً . فهي تعالج المسألة السورية بالتعاون مع موسكو من خلال التمسك ببيان مؤتمر "جنيف-1" والعمل لإنجاح مؤتمر "جنيف -2" . وتعالج المسألة العراقية بدعوتها رئيس الحكومة نوري المالكي لمقابلة الرئيس أوباما والمباحثات التي أجراها مع سائر المسؤولين الأمريكيين في كل ما من شأنه محاصرة "الإسلام القاعدي" والحؤول دون امتداد تأثيره الى الدول المجاورة . وتعالج المسألة الفلسطينية برعاية المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" رغم حساسية هذه الأخيرة إزاء الحوار الناشط بين مجموعة دول (5+1) وإيران وتخوّفها من صفقة أمريكية -إيرانية تكون على حساب أمنها .
اللافت أنه في الوقت الذي يقول فيه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للكونغرس إن تشريع عقوبات اضافية ضد إيران قد يفسد المفاوضات معها وربما يؤدي لاحقاً إلى حرب، "يتجاوب" معه أعداء الولايات المتحدة في لبنان، ليحذّروا العرب والعجم من أن البديل من التسوية النووية بين الغرب وإيران هو الحرب .
هاجس الحرب على إيران من "إسرائيل" أو على "إسرائيل" من إيران، خاصةً إذا ما قررت الولايات المتحدة مجدداً ضرب سوريا، هو ما يقضّ مضاجع القادة الأمريكيين . أجَل، الأمريكيون، مسؤولين ومواطنين، لا يريدون الحرب لأنهم عانوا كثيراً من التكاليف الباهظة، بشرياً واقتصادياً، للحروب السابقة، ويتهيّبون كثيراً تكاليف الحروب اللاحقة التي قد تنزلق إليها الولايات المتحدة في سوريا وإيران وربما في فلسطين أيضاً .
اللاحرب هو مطلب الأمريكيين، كما الأوروبيين ولاسيما البريطانيين والألمان والإيطاليين، وهو ما يدفع إدارة أوباما إلى مجابهة "إسرائيل" وحلفائها الضمنيين في المنطقة، كما مجابهتها في قلب الكونغرس الأمريكي لتفادي حربٍ قد تتأتى عن افسادها مفاوضات مجموعة دول 5+1 مع ايران .
"الإسلام القاعدي" بما هو الطرف المسؤول عن توفير ظروف الاحتكاك السياسي والأمني بين أمريكا وروسيا في سوريا والعراق، هو نفسه الحفّاز لتعاون القطبين العالميين من أجل محاصرة ظروف الاحتكاك من جهة وتطويق احتمالات الحرب على إيران "النووية" بما هي ذريعة خوف وتخويف من طرف "إسرائيل" وحلفائها الضمنيين في المنطقة، من جهة أخرى .
لعل تعاون أمريكا وروسيا لمواجهة "الإسلام القاعدي" هو المتغيّر الأفعل والأقوى في مشهد علاقات القوى الدولية في العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين . أليس كذلك؟

نقلا عن صحيفة "دار الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.