لعبة العظماء بالكرة النووية

نسيم الخوري

نشر في: آخر تحديث:

كانت أوروبا، في الماضي، تبحث بين روسيا وأمريكا عن مستقبلها مع العرب، ونراها اليوم تتحوّل عن العرب للبحث عن مصالحها وصورتها ومستقبلها مع "إسرائيل" . هي لم تخرج منها يوماً، لكنها راحت تبحث عن دربٍ وسطي محفوف بالغموض بين ما يحقّق لها هامشاً من الاستقلال الضروري لمصالحها وبين صورتها المنضوية تحت راية السياسة الأمريكية . تلك هي معضلتها، ربّما، منذ أن أعلن ديغول سياسته المستقلّة عن واشنطن وتقرّب من العرب . وبين الصورة السياسية والمصالح يشيع الغموض، فتنشط باريس وما تيسّر من دول أوروبا عندما تتوتّر علاقات أمريكا ب"إسرائيل" ولو شكلاً، فكيف بها عندما تضعف صورة أمريكا عربياً وتتراجع إسلامياً في زمن الانحدارات العربية؟

وفي قلب المثلّث الغامض من بوادر العلاقات بين أمريكا وإيران وروسيّا، المحاط بالاشتعال السوري والانقسامات العربيّة ويقظة المصالح والخيرات الكبرى، تتنافس باريس وواشنطن نحو يقظة "إسرائيل" الخطرة بهدف البحث تحديداً في الملف النووي الإيراني طالما لم يتّضح بعد أن طهران قد تخلت عن السلاح النووي . وقد يقوى هذا التنافس المدروس بين الطلبات والعقوبات لتوضيح الرسالة "الإسرائيلية" إلى أمريكا بوجود حلفاء ل"الإسرائيليين" في موقفهم من النووي الإيراني . صحيح أن أمريكا تركت طهران الشاه تتعاقد على بناء ثماني محطّات نووية على أساس ضمانها المطلق لإستقرار الشاه في صفوف حلفائها، وصحيح أن العالم استغرق عشر سنوات من المفاوضات النووية بين إيران الثورة الإسلامية ومجموعة "5+1" (الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين)، لكنّ الصحيح أنّ بسمة طهران النابعة من ضيقها للتخفيف من العقوبات يجعلها ترى بالطبع، في العين "الإسرائيلية"، عدوّاً مضاعفاً حيال ملامح الاتفاق المقترح مع إيران الذي تراه سيئاً جدا، ويظهّر صورة فرنسا صديقة حميمة أبدية ل"إسرائيل" .

أين هي روسيا من هذا؟ في الواقع، لم أفهم تماماً "كلام" روسيا التي بنت أول محطة إيرانية للطاقة النووية، إذ "تؤيّد رغبة إيران في الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم"، ولم أفهم معنى "التفاؤل الروسي بأنّ القوى العالمية وإيران تتوصل إلى اتفاق مبدئي للحد من البرنامج النووي الإيراني، وعليها ألا تضيع لحظة عظيمة جداً للتوصل إلى وضع الاتفاق بالشكل الصحيح وباللغة الدبلوماسية" . قد يصعب فكّ الألغاز بين موسكو وواشنطن في الموضوع النووي إذا تذكّرنا أن أمريكا تحاول منع فرنسا من صنع السلاح الذرّي المستقل بما أخصب بذرة الخلاف على العظمة بين أمريكا وفرنسا ديغول، وحاولت روسيا بدورها منع الصين من النووي، بالرغم من اعتبارها دولة كبرى . هناك غموض لم يظهر تراكم الأسرار في علاقتيهما بعد، مع حسبان المتغيّرات الكبرى التي حصلت في المنظومة الاشتراكية، وتوسع أوروبا في أعبائها الكثيرة، وحتّى في تفاهمهما الأخير بدءاً من النقطة السورية المتطلّعة الى "جنيف 2" .

وهنا أسئلة تدعم هذا الغموض النووي الذي يبقي على العرب خارج دوائر إمتلاك الأسلحة الذرّية، بل خارج أيّ تفكير جدّي في المعرفة النووية:

من يتذكّر حادثة سرقة أسرار الطائرة الفرنسية "ميراج" التي صنّعتها "إسرائيل" وأسمتها "كفير"؟ انكشفت السرقة في سويسرا وحوكم فيها مسؤولون هناك، وفرنسا لم تقل كلمة رسمية حول الحادثة .

من يتذكّر سرقة ثلاث مدمّرات كانت فرنسا صنّعتها لمصلحة "إسرائيل"، ولمّا حظر ديغول إرسال الأسلحة إلى "إسرائيل" لمباشرتها حرب ،1967 خرجت المدمّرات خلسة من ميناء شيربورنغ الفرنسي فعبرت الأطلسي والمتوسط نحو شاطىء حيفا؟

من يتذكّر حادث نسف المفاعلين النوويين في ال1979 اللذين تمّ بناؤهما لحساب بغداد من قبل فرنسا التي وضعت كافة الشروط الكفيلة بعدم استخدامهما في صنع قنبلة ذرّية أو في مهمات عسكريّة؟ لقد نسفتهما "إسرائيل" بالرغم من احتياطات الأمن العالية، واعترفت فرنسا الرسمية، دفعاً للإحراج والأزمات السياسية بالتلويح بأنّ "إسرائيل" ومخابراتها تبدو ملمّة تماماً بهذه الصناعة الشديدة السريّة والتقدم، لكنّها أرضت بغداد بالقول إنّها قد أنتجت نوعاً من اليورانيوم لا يمكن استخدامه عسكرياً . وكانت فرنسا أيضاً قد وقّعت عقدين لمفاعلين آخرين: واحد مع كوريا الجنوبية وآخر مع باكستان ألغتهما أمريكا بالضغط على سيؤول وباريس . وللموضوعية، فقد ضغطت أمريكا على ألمانيا الغربية لوقف عقد مشابه مع البرازيل .

من يتذكّر أنّ فرنسا هي التي منحت "إسرائيل" مفاعل ديمونا في صحراء النقب، وبقيت "إسرائيل" طويلاً تزعم أنّه معمل للنسيج، وتتظاهر الدول الكبرى بالاقتناع بهذا التفسير، مع أنّها بمساعدة دولة جنوب إفريقيا، إحدى أغنى الدول باليورانيوم، استطاعت أن تملك القنبلة النووية وتلفّها بغموض هائل؟ وأكثر من ذلك، فقد عدّلت "إسرائيل" في هياكل طائراتها الأمريكية لكي تصبح صالحة لنقل القنابل الذرية واستخدامها . فشلت محاولات التفتيش كلّها مع كينيدي وجونسون وتوقّف الكلام الأمريكي نهائياً في نووية "إسرائيل" منذ نيكسون وكيسنجر، وبدأ زمن من الإرهاب "الإسرائيلي" للعرب والمسلمين والابتزاز للأصدقاء . ونشأ مناخ من الضغط على أي دولة أخرى تتعاقد على بيع مفاعلات نووية ولو سلمية لأي دولة من الدول المحيطة ب"إسرائيل".

من يتذكّر السفينة المحمّلة بالوقود المستخدم في صناعة القنابل الذرّية المحمول لحساب الأطلسي، كيف ضاع في البحار العالمية من باخرةٍ لأخرى، ليصل إلى "إسرائيل" في العام ،1978 في باخرة أوروبية، بينما وصلت الباخرة الأوروبية التي خرجت من ميناء أمريكي فارغةً الى أوروبا، وقد تكتّم الحلف الأطلسي خمس سنوات على المسألة قبل أن تتسرّب أخطر سرقة في القرت العشرين الى وسائل الإعلام، لا لإظهار الفضيحة بل القوة الدولية ل"إسرائيل"؟

من يتذكّر رسالة تهديد جون كينيدي الى عبد الناصر قبل عدوان ال 1967 حول امتلاك مصر صواريخ بعيدة المدى، وضرورة وقفها فوراً، ثمّ تفتيش مواقعها والمفاعل النووي في أنشاص، ولمّا رفض عبد الناصر طالباً بمعاملة "إسرائيل" بالمثل مشيراً الى حظوتها بما هو أخطر أي "ديمونا"، أسرعت واشنطن بتزويد "إسرائيل" بصواريخ هوك ومئة طائرة من طراز "سكاي هوك"، مع أنّها لم تكن تسلّح حتّى ذلك الوقت "إسرائيل" مباشرةً؟ هل نتذكّر كيف سبق عبد الناصر دول المشرق للاعتراف بالصين عندما كانت واشنطن وموسكو على وشك التوقيع على معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية التي تقوم على فلسفة حظر المعرفة النووية عن الدول الأخرى؟ كانت الصين آنذاك معزولة وخارج الأمم المتحدة ومستعجلة لامتلاك السرّ النووي، وكان عبد الناصر يقرع بابها للوصول الى تلك المعرفة خارج دائرتي أمريكا وروسيا .

لماذا هذه الأمثلة كلّها وهي لا تنتهي؟

للتفكير مجدداً في وحدة العرب والمسلمين، وكي لا تنصاع العيون العربيّة مهما تلوّنت وتنابذت وتقاتلت واحمرّت أو غفلت عن "إسرائيل" التي تطلب الانصياع للاعتراف ب"أرض "إسرائيل"" من سيناء الى العريش حيث كان هناك نهر اسمه النيل، وهو غير نهر النيل الحالي، ويشمل شرق الأردن كلّه وجزءاً من العراق ولبنان ووو . . . تحت مقولة الحدود الآمنة .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.