في تطورات “ملف” الصحراء الغربية

محمود الريماوي

محمود الريماوي

نشر في: آخر تحديث:

تعتبر الإشادة التي تلقاها المغرب من واشنطن باعتبار خطة الحكم الذاتي الموسع للصحراء "جدية ومدروسة وذات مصداقية"، أقوى دعم دولي لهذه الخطة التي تشكل حتى الآن أكثر المقاربات واقعية لحل هذه "المعضلة" الناشبة منذ أواسط سبعينات القرن الماضي بعد انحسار الاستعمار الإسباني عن الساقية الحمراء ووادي الذهب وهو الاسم القديم للصحراء غرب المغرب .

جاءت الإشادة الأمريكية مع وصول الملك محمد السادس إلى واشنطن في أول زيارة رسمية للعاهل المغربي إلى واشنطن منذ خمس سنوات .
في واقع الأمر فإن القوى الدولية الأخرى تنأى بنفسها عملياً عن هذه المشكلة ذات الطابع السياسي والقانوني مع تمثيلها بقوات للأمم المتحدة على الحدود، دون أن تكون هناك أبعاد للمشكلة على الأرض . على الصحراء التي يقيم عليها أبناؤها، ويمارسون حياتهم الطبيعية، وينخرطون في مؤسسات الدولة المغربية كما يتمتعون بخدماتها أسوة بغيرهم من المغاربة .

من يقع عليهم الحرمان هم فقط اللاجئون في مخيمات تندوف على الحدود الجزائرية - المغربية، وبينما تتاح الفرصة لهؤلاء للعودة إلى ديارهم في الصحراء، فإن القائمين على هذه المخيمات من جبهة البوليساريو يحولون بينهم وبين العودة . في الوقت الذي يُنعت فيه وجود المؤسسات المغربية من طرف هذه الجبهة بأنه بمنزلة "احتلال"، فمن المفارقة أن يكون الطرف المنادي بالانفصال هو الذي يقوم بحرمان اللاجئين من العودة، لا "الاحتلال" المزعوم .

وبينما ثارت خلال العامين الماضيين اتهامات للرباط بانتهاك حقوق الإنسان في الصحراء وجرى ويجري استغلال واسع لها، فإن هذه الاتهامات تستحق أن تؤخذ في إطار قانوني واجب المعالجة ، مثل أي اتهامات من هذا النوع في أية بقعة من المغرب كما في أي بلد في العالم . أما التسييس المفرط لهذه التجاوزات، فلن يسهم في توفير بيئة صالحة لمعالجتها، وهي تستحق تكرار هذه المعالجة في إطار وطني وربما بمتابعة منظمات دولية مستقلة معنية بحقوق الإنسان، من دون أن يتعدى الأمر إلى المطالبة بتوسيع مهمات بعثة الأمم المتحدة (المونيرسو)، الموكلة أساساً بحفظ حالة السلام القائمة على الحدود مع جبهة البوليساريو المتواجدة على الأرض الجزائرية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي.

ولمعالجة هذا الأمر يدور حوار بين البرلمان المغربي والبرلمان الأوروبي استعداداً لعقد دورة عادية لهذا البرلمان القاري يوم 23 يناير/كانون الثاني 2014 وستناقش الدورة بين قضايا وشؤون أخرى وضعية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية .

يشار هنا إلى أن المغرب يتمتع بوضعية الشريك في الديمقراطية لدى البرلمان الأوروبي، وهذا لم يمنع ممثلين سويسريين اشتراكيين من طرح المسألة على جدول أعمال الدورة العادية المقبلة للاتحاد الأوروبي . وهو تحدٍ يستحق الاستجابة له من طرف المغرب، ببذل جهود أكبر في مجال احترام حقوق الإنسان، حتى وإن بدا الأمر على قدرٍ عالٍ من الحساسية السياسية، حين يتعلق بتجاوز بعض المحتجين في مدن الصحراء لما يُعتبر في المغرب ثوابت تتعلق بالسيادة وبوحدة التراب الوطني . وذلك ما يعيد إلى الأذهان أوضاع الصحراويين اللاجئين في مخيمات تندوف، الذين يعيشون وراء ما يشبه ستاراً حديدياً، وفي ظل أحكام طوارىء دائمة . وحسناً يفعل مبعوثون أوروبيون وغربيون بعزمهم على التوجه إلى تلك المخيمات للتحري حول الأوضاع الفعلية فيها، التي قلما تتسرب تقارير عنها، بما في ذلك حول مدى استعداد هؤلاء اللاجئين للعودة إلى ديارهم، ولم شمل أسرهم، وإذا كان يمكنهم التعبير عن هذه الاهتمامات "السياسية" في حياتهم اليومية .

علماً بأنه يسهل في الدول ذات التوجه الديمقراطي ملاحظة أية انتهاكات لحقوق الإنسان، فيما يصعب ذلك في المناطق التي تعيش في ظل أنظمة تطبق بشكل دائم قوانين استثنائية، ضعيفة الصلة إن لم تكن عديمة الصلة بمنظومة حقوق الإنسان المتعارف عليها دولياً وفي مقدمها حرية التعبير والحق في عقد اجتماعات عامة .

وإذ يشكل الدعم الأمريكي لخطة الحكم الذاتي الموسع في الصحراء، دفعاً دولياً لهذا المقترح الذي يقارب المشكلة مقاربة ملموسة، فما زال هناك عمل ينتظر المغرب والصحراويين المقيمين على أرضهم في أروقة الأمم المتحدة حيث ما زالت إحدى لجان المنظمة الدولية والمعروفة باللجنة الرابعة، تدرج مسألة الصحراء بصورة روتينية ضمن 16 إقليماً في العالم تنتظر "تصفية الاستعمار" فيها، هذا بعد ما يقارب أربعة عقود على انحسار الاستعمار الاسباني عن مناطق الصحراء .

وهو ما يستحق بذل جهد سياسي وقانوني لتناول هذه المشكلة بأبعادها المختلفة: التاريخية والسياسية والقانونية، بما في ذلك مبدأ "تقرير المصير"، وربطه بالتشاركية والتنمية وممارسة الحقوق الديمقراطية، وكما يُقر الناخبون مصيرهم السياسي بانتخاب ممثلين لهم عبر صناديق الاقتراع، وهو الأمر الجاري بصورة كبيرة في الصحراء الغربية، والذي يستحق إلقاء الأضواء عليه إلى جانب الاهتمام بمستوى حقوق الانسان، حيث ما زال يتعرض هذا الملف للتسييس من أطراف عدة، وتجري "ترجمته" بأن نشوء أية احتجاجات يُزكّي تلقائياً الحق بالانفصال، ولو كان الأمر كذلك لما احتفظت عشرات الدول في العالم بوحدة أراضيها وبسيادتها على حدودها، لمجرد أن مجموعات فيها دعت إلى انفصال مناطق هذه المجموعات.

نقلاً عن "الخليج الإماراتية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.