الأزمة المصرية التركية بالعبرية

خيري منصور

نشر في: آخر تحديث:

ما أن تبادلت القاهرة وأنقرة طرد السفيرين بسبب توتر العلاقة بينهما حتى تنافس المعلقون السياسيون في تل أبيب على بحث جذور هذا التوتر، ومنهم من عاد عقوداً إلى الوراء للتذكير بطرد السفير التركي من مصر بعد تصريحات نالت من ثورة يوليو وبالتحديد من عبدالناصر . لكن القراءات "الإسرائيلية" التي اقتصرت على آخر عامين من العلاقات التركية - المصرية أعادت الأزمة إلى أحداث الثلاثين من يونيو وعزل الرئيس السابق محمد مرسي عن منصب الرئاسة، ولو بقيت القراءات في هذا النطاق لكانت مفمومة ومجرد توصيف لمشهد سياسي، لكن ما بين السطور في هذه القراءات يظهر على نحو واضح رغبة "إسرائيل" في استثمار أية أزمة في الإقليم، لأن استراتيجية المنشار التي لجأت إليها منذ بواكير الدولة تتلخص في الاستفادة من الصعود والهبوط، والحرب والسلام، ففي مقالة لسمدار بيري نقرأ: أن أردوغان لم يترك مناسبة أو مايكرفون أتيح له التحدث منه دون أن ينتقد وبشكل لاذع القوات المسلحة المصرية والفريق أول السيسي وزير دفاعها، وذلك انسجاماً مع موقف أنقرة مما سمته الانقلاب العسكري على الشرعية . وما أن حاول الرئيس التركي غول أن يخفف من التوتر بقوله إن هذه الأزمة سوف تمر، حتى انبرى له عدد من الكتّاب "الإسرائيليين" ليذكروه بأن الأزمة سوف تتفاقم، وأنها ذات جذور، وهنا يبدأ العزف على دور تركيا في حلف الناتو وموقف عبدالناصر منها .
وبعض الكتّاب "الإسرائيليين" الذين شيطنوا أردوغان وصبوا جام غضبهم على أنقرة بعد أحداث السفينة "مرمرة"، بدؤوا يناقضون أنفسهم، ومنهم من غيّر موقفه مئة وثمانين درجة، ولا يكاد قارئ هذه التعليقات الماكرة يعرف ما إذا كان أصحابها يدافعون عن الديمقراطية في مصر أم يتربصون بأي نهوض فيها . خصوصاً أن هناك مناخاً معادياً لمصر في "إسرائيل" لم تفلح معاهدة كامب ديفيد في تغييره جذرياً . وما قاله جنرالات وساسة من طراز شارون وليبرمان عن السد العالي وبعض المواقع في مصر باعتبارها أهدافاً استراتيجية لم يكن مجرد كلام في الهواء، وهناك من هؤلاء من تشبث حتى اليوم بما قاله مناحم بيغن وهو يزور الأهرام، عندما قال إن أجداده اليهود هم الذين شيدوها .
ولتل أبيب مصلحة كبرى بقدر ما هي استراتيجية في إبقاء مصر مشتبكة مع أزماتها الداخلية وتأكل نفسها، وما فشلت كامب ديفيد في تحقيقه وهو عزل مصر عن نطاقها القومي وإبقاؤها بل حشرها في إطارها الجغرافي تحاول الدولة العبرية تكراره من خلال طرق بوابات أخرى، فهي رغم اصطناعها دور المتفرج على ما يحدث في مصر وسائر الوطن العربي تسعى بكل الوسائل إلى التمدد الأخطبوطي مخابراتياً، وهي ليست بريئة من تفجيرات ووقائع في أكثر من عاصمة عربية بهدف خلط الأوراق وتغذية النزاعات المحلية، لأنها مستفيدة وبكل المقاييس من هذا التآكل العربي .
وما من أزمة إقليمية كانت مصر طرفاً فيها إلا وسعت تل أبيب لاستثمارها وهذا ما عبر عنه بوضوح نتنياهو في كتابه "مكان تحت الشمس" . رغم أن المكان الحقيقي الذي تزدهر فيه الاستراتيجية الصهوينية هو ما تحت الظلام، وبعيداً عن أي ضوء حتى لو كان ضوء القمر .


*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.