المعارضة المدنيّة السورية: "ضريح الجندي المعلوم"

جهاد الزين

نشر في: آخر تحديث:

خلال حوالي سنتين وتسعة أشهر مضت على الانفجار السوري (أياً يكن توصيفه، أياً يكن ما كان عليه وما أصبح) لم تُنتِج البيئة المدنية والعلمانية في المعارضة السورية أية شخصية قيادية على المستوى الوطني السوري تكون فاعلة في الميدان أي في الداخل السوري.
هناك أسماء سورية مدنية برزت في الخارج ولكن المثير أن أيّاً منها ( أو توخّيا للدقة: معظمها) لم ينتقل من الخارج للعيش في الداخل. وهذا يشمل أسماء من مستويات وتجارب مختلفة بعضها خرج من سوريا تحت وطأة القمع في مناطق النظام ولم يعد... وبعضها كان يعيش لاجئا أو مهاجرا في الخارج لكنها جميعها لم تعد إلى أي منطقة تحت سيطرة إحدى قوى المعارضة أو ليست تحت سيطرة النظام باستثناء زيارات سريعة بل خاطفة ثم الخروج.
هذه ظاهرة... ينبغي رصدها بين الشخصيات والكوادر المدنية والعلمانية المعادية للنظام والتي تبنّت وأيّدت عسكرة الثورة كرد على عنف النظام.
ومع أن مناطق واسعة وشاسعة في الصحراء والأرياف وضواحي المدن سقطت بأيدي مقاتلي المعارضة بما كان يتيح ولا يزال للراغب من ناشطي المعارضة المدنية أن يعيش في الداخل مع مجتمعه السوري لو شاء... مع ذلك لم نشهد حركة إقامة حتى في مناطق تبعد كثيرا عن مرمى النظام، مع العلم أن المجازفة في هذه الحالة ممكنة وتفرض على من أصبحوا قياديّين سياسيّين نمطا من الحياة المتكتّمة... ولا بأس هنا من المقارنة مع لبنان الصغير جدا من حيث المساحة وهو الذي شهد خلال حربه الأهلية لاسيما في سنواتها السبع الأولى نسبة انخراط لكوادر وقيادات مدنية في العمل السياسي "على الأرض" اللبنانية أعلى بأشواط مما أظهره المعارضون السوريون المدنيون. لا أتحدّث عن فريق لبناني واحد هنا بل عن كل الأفرقاء اللبنانيين والفلسطينيّين يومها.
هناك فئتان تُظهران شراسة قتالية في سوريا اليوم: الإسلاميون الجهاديّون وقوات النظام. تنقصنا المعلومات عن ما يفعله "الجيش السوري الحر" بعناصر ضباطه وجنوده المنشقين ولكنّ هؤلاء العسكريين بقدر ما بقي من فعاليّتهم، وهي لا شك موجودة، هم طبعا أكثر حضورا في الداخل من القيادات المدنية... ولكن بات من الواضح أن الثقل القتالي على مستوى المعارضة يتركّز بين فئتين هما الإسلاميون السوريون والإسلاميون الجهاديون غير السوريّين تقابلهم قوات الجيش النظامية وغير النظامية وحلفاء غير سوريين.
هل ساهم ابتعاد عناصر المعارضة المدنية والعلمانية الموجودة في الخارج عن التواجد في الميدان في عدم ظهور قيادة مدنية فعلية على المستوى الوطني السوري؟
أيا تكن الإجابة، لا شك أن الكوادر السورية المعارضة في الخارج بالغت في "خارجيّتها". هي من حقِّها أن تختار العيش في أي بلد لكن عندما تطرح نفسها كعناصر ثورية ضد نظام قائم تريد إسقاطه فهي مرغمة على الخضوع لمعيار التواجد بين الناس في سوريا... هؤلاء الناس الذين يتعرّضون لمحنة شاملة. لا تستطيع دعوة الناس إلى أقصى أنواع المعاناة والمخاطر وأنتَ موجودٌ في الخارج. بل وأنتَ تتبنى الطروحات السياسية الأكثر تشددا ولا تسوويّة.
طبعاً هذا كلام عام، وحالات الناشطين المعنية متفاوتة ومتعددة شخصيا وسياسيا وبالتالي لا يمكن تنميطها... ناهيك عن الظروف الخاصة للبعض التي تمنعه فعلا من الانتقال للداخل.غير أن هناك معضلة فعلية في المعارضة المدنية السورية ناتجة عن هامشيّتها المتفاقمة والتي تشكّل حالة وجود المعارضين في الخارج بعيدا عن الأرض السورية أحد مظاهرها على الأقل إن لم تكن أحد أسبابها الأساسية.
الذين نعنيهم بينهم مناضلون سابقون دفعوا أثمانا في السجون... لكن لا بد من الاعتراف بأن هناك مشكلة ممارسة السياسة في "فنادق الخمس نجوم". هذه ليست "دعاية النظام" حتى لو استخدمها النظام الذي احتفظ بكوادره السياسية وليس فقط العسكرية، في مناطق نفوذه المتبقية أو المستمرة وسجلت هذه الكوادر (المدنية) نسبة انشقاق محدودة جدا، لكن هذه ظاهرة أخرى يجب درسها لاحقا.
لا أريد أن أتجاهل "الجنود المجهولين" من المناضلين المدنيين الذين لم يغادروا (وبعضهم في سجون النظام وسجون الجهاديين الإسلاميين) لكننا هنا بصدد الحديث عن "الجنود المعلومين" لا المجهولين في عواصم العالم ولاسيما في اسطنبول وباريس ولندن (وسابقا القاهرة) وواشنطن. كما أنها لحظة لتحية معارضي الداخل البارزين.
… إن ظاهرة فشل أو تراجع المعارضة المدنية والعلمانية بل هامشيّتها المتفاقمة تتعلّق بما يمكن أن نسمّيه "ضريح الجندي المعلوم" في العمل السياسي المدني المعارض أو بقاياه. وأسال من اليوم عن نوع "التكريم" الذي سيستحقّه هذا "الضريح".
مرة أخرى أتحدث عن ظاهرة لا عن حالات خاصة وكثيرة ليست قادرة فعلا على الالتحاق. إنما المشهد العام في ما يتعلّق بالمعارضة المدنية هو مشهد الغياب الفادح عن الأرض السورية.
* * *
ضعفُ حضورِ المعارضة المدنية في الداخل السوري شديدُ الخطورة على مستقبل سوريا. فأي صيغة سياسية يمكن تصوُّرُها لسوريا في ظل هذا الهزال؟ وسيكون واهما من يعتقد في هذه الحالة بإمكان قيام نظام مدني ديموقراطي، أياً تكن صيغته الإقليمية الدولية، لأنه عندها سيكون السيناريو الأفغاني ليس فقط الوحيد بل "أفضل" السيناريوات... وحتى السيناريو العراقي لن يكون بالمتناول... بسهولة!
في مصر أمكن إقصاء تيار "الإخوان المسلمين" ومن يقف وراءهم من المتشدّدين بتحالفٍ بين الجيش غير المنخرط في أي حرب أهلية وبين نخبة مدنية علمانية ليبرالية موجودة بل مترسّخة في الحياة السياسية لعقود بعدما استطاع هذا التحالف أن يستحصل على تفويض شعبي ضخم.
... قياسا بذلك كل هذه المواصفات غير متاحة أو متصدِّعة في الوضع السوري؟


*نقلاً عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.