عاجل

البث المباشر

تركيا وسياسة الخداع

ما تكشفت عنه المفاوضات بين حكومة أنقرة وإقليم كردستان العراق شكل صدمة كبيرة لكل المتابعين لملف طريقة تعاطي الحكومة التركية مع التطورات والمتغيرات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط .
ذلك أن تركيا واجهت متغيرات نوعية في الأشهر الأخيرة لم تصب في صالح الشعارات التي كانت ترفعها السياسة الخارجية التركية .
ومن أهم هذه المتغيرات انتفاضة "تقسيم" التي هزت صورة رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان في الداخل وأمام الرأي العام العالمي، ولا سيما في الغرب . وأيضاً الإطاحة بسلطة الإخوان المسلمين في مصر التي أفقدت القيادة التركية صوابها على اعتبار أنه تطور قصم ظهر المشروع التركي الإيديولوجي في المنطقة . إلى ذلك جاء الاتفاق الكيميائي السوري، وأخيراً الاتفاق النووي الإيراني ليفتحا تحولات في المنطقة لا تتقاطع مع المصالح التركية .
وليس من أحد يشك في أن أوراق تركيا التأثيرية في سوريا قد انتهت مع تقدم القوات الأصولية على الأرض على حساب الجيش السوري الحر الذي تدعمه تركيا وهي التي بالأساس أنشأته، كما أن قيادة الائتلاف الوطني السوري باتت في أيادي قوى تتبع دولاً إقليمية أخرى وليس تركيا .
تجد تركيا نفسها فاقدة لأوراق التأثير الميدانية والسياسية في سوريا وفي المنطقة .
وتجد نفسها أيضاً معزولة في تحالفاتها . وباستثناء دولة أو اثنتين فإن علاقاتها مع كل دول المنطقة بكل اتجاهاتها المتناقضة في غاية السوء .
إن محاولة تركيا إعادة تصفير مشكلاتها مع بعض الدول لا تزال في بدايتها ولا تعكس مؤشراتها حتى الآن أن هذا التحول جدي فعلاً أو أن هناك استراتيجية جديدة بالفعل .
إذ إن معظم هذه المؤشرات ولا سيما تجاه العراق وإيران تنم عن ردة فعل وليس عن ارتسام مقاربة تركية مختلفة .
ولعل المثال الأخير في تعاطي رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو مع الملف العراق يعكس هذا الشك في نوايا صافية لتركيا . فقبل أسبوعين زار داود أوغلو العراق والتقى بالجميع قائلاً إن هناك صفحة بيضاء جديدة مع العراق .
ولكن ما هي إلا أيام حتى كان أردوغان يستقبل أولاً رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني في ديار بكر ومن ثم التقى قبل أيام رئيس حكومة إقليم كردستان نشروان البرزاني . والأهم هنا الفضيحة التي خرجت من كل هذه الحركة وهو أن أنقرة مارست سياسة الخداع للرأي العام والكذب المباشر على رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي . إذ إن أردوغان وقع ست اتفاقيات نفط وغاز طبيعي مع نشروان البرزاني في أنقرة لاستيراد النفط من منطقة كردستان بمعزل عن حكومة بغداد .وهذا كان سيثير غضب بغداد وواشنطن التي حذّرت أنقرة من مغبة مثل هذه الخطوة . لكن السفير التركي في بغداد أبلغ المالكي أنه لم يتم بعد توقيع الاتفاقيات وهي تنتظر اجتماع أردوغان مع المالكي . لكن تبين أن السفير التركي قد كذب على المالكي عندما كشفت صحيفة تركية أن التوقيع على الاتفاقيات قد تم فعلاً ومن دون العودة إلى بغداد، وهو ما دفع المالكي إلى إغلاق المجال الجوي العراقي أمام طائرة وزير الطاقة التركي التي كانت ستتوجه إلى أربيل لحضور مؤتمر حول الطاقة .
الأكثر خطورة وحزناً أن هذا الكذب والخداع حدث ولما يمض على زيارة داود أوغلو إلى بغداد أسبوعان، في إشارة إلى أن الحكومة التركية لا تزال تعتمد سياسة ازدواجية المعايير والخداع وإخفاء المعلومات وغير جدية ولا صادقة في توجهات جديدة تعيد فتح صفحة جديدة في علاقاتها الإقليمية . ومن ذلك أيضاً أنها لا تزال تنتقد بقوة سياسات النظام الجديد في مصر ووزير الدفاع قائد القوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح السيسي وتقف محرضة لجماعة الإخوان المسلمين لمواصلة التظاهر وعدم الرضوخ . وهو ما حدا بالقاهرة إلى طرد السفير التركي من مصر في خطوة فاجأت أنقرة التي ظنت أن مصر والعرب لا يملكون الجرأة على رفع البطاقة الحمراء للوالي العثماني الساعي عبثاً لإحياء امبراطورية وهمية .
وليس أصدق من الكاتب التركي المعروف جنكيز تشاندار الذي قال بأن السياسة الخارجية لتركيا لا يمكن أن تقوم على الكذب والخداع . وهذا برأينا، إن دل على شيء فعلى أنه لا يمكن بناء سياسة خارجية جديدة لتركيا بالأدوات الحالية نفسها، تماماً مثل لعبة كرة القدم عندما يتعرض فريق لهزائم كثيرة فلا بد من تغيير الجهاز الفني للفريق وليس المدرب فقط .

*نقلا عن "الخليج" الإماراتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات