تونس.. صراع القبعة والعمامة

رمضان بلعمري

نشر في: آخر تحديث:

هل ينجح المهدي جمعة، رئيس الحكومة التونسية الجديد، المهندس في تخصص "الميكانيك"، في إصلاح "محرك" الآلة السياسية المتعثرة في البلاد بعد مرور ثلاث سنوات على ثورة الياسمين؟.

الإجابة للأسف ليست متفائلة، لأن المشكلة ليست في الخلاف على من يقود الحكومة وإنما هي أعمق وتتعلق بالخلاف على مشروع المجتمع لما بعد الثورة: هل هو دولة مدنية برداء علماني أم دولة مدنية بثوب ديني؟

وبقليل من الملاحظة البسيطة بين دول الربيع العربي المتجاورة، مصر وليبيا وتونس، يمكن الوقوف على أوصاف متفردة لكل حالة، لكن الثورات الثلاث تلتقي في وصف واحد هو: صراع الإسلاميين مع العلمانيين أو الليبراليين.

في الحالة التونسية، وهي موضوعنا، لا يمكن فهم ما يجري اليوم دون العودة إلى دفاتر التاريخ، حيث تجب الإشارة إلى حجم الإرث التاريخي الذي عاش به المجتمع التونسي في ما يتعلق بالتقاليد العلمانية وما يسمى محليا ب"التحديث"، وقد أرسى قواعد التحديث والعلمانية رئيس تونس الأول الحبيب بورقيبة، واستمر في النهج مع بعض التحسينات، الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي .

ويمكن الإشارة أيضاً إلى ما تعده المرأة التونسية مكاسب من عهدي بورقيبة وبن علي، فيما يتعلق بالحرية الشخصية، ومدونة الأسرة. ويمكن القول إن التقاليد العلمانية أو الليبرالية تربى عليها المجتمع التونسي لمدة تزيد على خمسة عقود من الزمن على الأقل، جعلته أقرب إلى أوروبا منه إلى مجتمع الشرق . لكن أغلبية التونسيين، كما نقرأ في كتاباتهم ونستمع إلى نقاشاتهم، كانوا يشتكون من أن "حرية بورقيبة وبن علي" لم تصحبها ممارسة ديمقراطية في المجال السياسي، كما هي الحال في أوروبا القريبة منهم.. كانت تونس سويسرا وكوريا الشمالية في آن واحد إذا جاز الوصف.

أما في الناحية الأخرى من مشروع المجتمع التونسي، ذي التوجهات الإسلامية، الذي ترفع لواءه "حركة النهضة الإسلامية" بزعامة الشيخ الغنوشي، فيحب أتباع هذا المشروع الإشارة إلى العمق الحضاري الإسلامي لتونس، وهم يشيرون إلى احتضان البلاد لواحدة من منارات العلم "جامع القيروان"، الذي بناه الصحابي عقبة بن نافع بعيد وصوله جيش الإسلام إلى إفريقيا.

وكان أنصار التيار الإسلامي في تونس، يسخرون في السر وفي منابر خارجية مما يعدونه "حرباً على الإسلام"، ويذكرون مشهد نزع بورقيبة لغطاء رأس إحدى السيدات التونسيات بعيد الاستقلال، أما في عهد بن علي، فكانوا ينكتون ويقولون إنهم يصلون ب"البطاقة" في المساجد .
هذا هو النقاش الحقيقي وهذه هي "الحديقة الخلفية" للصراع السياسي في تونس عام 2013 .

سياسياً، يصعب حصر الفاعلين السياسيين في تونس، لكن هناك توافق على قائمة شخصيات تصنع المشهد التونسي، أبرزها الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية، وهو أحد شيوخ التنظير في "الإسلام السياسي"، حيث يتردد أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أدروغان متأثر أيما تأثر بفكر الغنوشي وكتبه . كما يتردد أن الغنوشي واحد من "فلاسفة" التنظير في جماعة الإخوان، وهو قائد فرع "إخوان تونس".

ويحب كثير من المتتبعين للشأن التونسي عدم إغفال تأثير فترة "العبور" الطويلة التي قضاها الغنوشي خارج تونس، خصوصاً في كل من الجزائر وبريطانيا . ويريدون القول إن حالة الغربة والعيش الإجباري مع الآخر خلقت لدى الشيخ الغنوشي "وعياً" بفكرة التعايش، لكنها لم تغيّر من قناعاته الدينية .

الشخصية الأخرى التي تصنع الحدث التونسي اليوم، هي بالطبع الرئيس منصف المرزوقي، طبيب الأعصاب، الذي غادر سجون الرئيس المخلوع بن علي بتدخل شخصي من الرئيس الراحل نيسلون مانديلا عام ،1994 قبل أن تستهويه "مغامرات" مجال حقوق الإنسان، ثم الهجرة نحو فرنسا . وهذه هي الفترة التي صنعت "توجهات" المنصف المرزوقي الذي يتعامل اليوم وفقها في مجال إدارة الحكم والسياسة في تونس .

وتقريباً، يعد المرزوقي، أحد الرؤساء القلائل المهووسين بالكتابة وإلقاء المحاضرات عبر العالم في فترة حكمه، رغم أن بلاده أولى ب"إلقاء" نظرة على حالها من الداخل لإيجاد حلول للأزمة المتفاقمة . وهذه طبعاً، انتقادات من يرون في المرزوقي حقوقياً وأكاديمياً ناجحاً، لكنه لا يصلح لرئاسة تونس، بدليل إصداره كتاب "منظومة الدعاية تحت حكم بن علي: الكتاب الأسود"، وهو كتاب يدين مجموعة من الصحفيين التونسيين (376 إعلامياً تونسياً وأجنبياً) اعتماداً على "أرشيف" سري من قصر قرطاج الرئاسي .

ويأتي الباجي قايد السبسي، رئيس حركة نداء تونس، أحد أعمدة العمل السياسي في تونس، حيث بدأ عمله مستشاراً لأول رئيس لتونس المستقلة، الحبيب بورقيبة . ثم تولى بعدها مناصب أمنية حساسة، مديراً للأمن اللوطني ووزيراً للدفاع، ووزيراً للداخلية بعد وفاة الطيب المهيري .

واليوم، يطرح اسم الباجي قايد السبسي، كقوة توازن ضرورية لكبح نفوذ الشيخ راشد الغنوشي . ولهذا لا يستغرب أن يكون الباجي قايد السبسي هو من زار الجزائر وفرنسا أكثر من مرة في سياق "جولات الحوار" الخارجية لمواجهة دبلوماسية الشيخ الغنوشي.

تنظيمياً، لا يمكن إغفال وزن اتحاد الشغل التونسي كمنظمة جماهيرية ذات نفوذ سياسي قوي في تونس، فقد ظل اتحاد الشغل هو المنظمة النقابية الوحيدة في البلاد منذ عام 1946(قبل الاستقلال) رغم محاولات تأسيس نقابات عمالية بعد الاستقلال. وكأي تنظيم نقابي، دخل اتحاد الشغل التونسي في إضرابات ودخل في تحالف سياسي مع كل من بورقيبة وبن علي، لكن هذا لم يمنع من وقوع مواجهات، كأحداث "الخميس الأسود في يناير ،1978 و الوقوف بقوة ضد مشاركة رئيس وزراء "إسرائيل" الأسبق أرييل شارون في مؤتمر قمة المعلومات بتونس عام 2005. هذا الإرث السياسي، يفسر الدور الكبير لاتحاد الشغل التونسي بقيادة ابراهيم العباسي في تونس ما بعد ثورة 2011.

وفي ضوء هذا العرض التاريخي لأوزان الفاعلين السياسيين الكبار في تونس، يتضح أنه ليس من السهل على رئيس الحكومة المعين حديثا، المهدي جمعة، معالجة الأزمة، كما أن أكثر المتفائلين يرى أن تعيين المهدي جمعة ليس إلا عملية "تنفيس قدر" السياسة التي ارتفعت درجة غليانها.

الظاهرة الإرهابية تغزو "مهد" الربيع العربي

أما الخطر الحقيقي الذي يتهدد الجميع في تونس، فهو خطر التشدد والإرهاب، الذي حلّ كزائر ويكاد يتحول إلى "صاحب البيت"، في ظل انشغال فرقاء السياسة بالصراع على المناصب والحكومة، وعلى ممثليات تونس الدبلوماسية في الخارج. ففي الداخل، حيث ضعفت قوة "البوليس" التونسي منذ الإطاحة زين العابدين بن علي، بسبب غياب قيادة سياسية يثق فيها بعد الثورة، وجد الإرهاب موطئ قدم . وقد تقوى الإرهاب بسبب عامل آخر لا يقل خطورة وهو عدم خبرة الجيش التونسي في التعامل مع الظاهرة الإرهابية، بدليل عدد الأرواح التي فقدها في عمليات استعراضية، كتلك التي قتل فيها تسعة جنود بطريقة همجية بجبل الشعانبي في يوليو/ تموز 2013 .

وهناك معلومات غير منشورة تتحدث عن دور فاعل للجزائر في محاولة تحجيم الظاهرة الإرهابية في تونس، خصوصاً من ناحية تزويد الحكومة التونسية بمعلومات استخباراتية، ناهيك عن الدعم اللوجسيتي على الحدود مع جبل الشعانبي، حيث تشير المعلومات ذاتها إلى أن طيران الجو الجزائري أعطى لتونس مواقع وجود الإرهاببين بجبل الشعانبي، مع العلم أن تونس تشكو ضعفاً في مجال سلاح الجو . وليس معروفاً بعد مدى صدقية المعلومات التي تتحدث عن اجتماع حضرته قيادات جهادية في بنغازي الليبية، جاؤوا من تونس والمغرب وليبيا . لكن هناك احتمالات كبيرة للجوء الشيخ "أبو عياض" زعيم "أنصار الشريعة" التونسية إلى ليبيا بعدما أعلنت وزارة الداخلية التونسية جماعته منظمة إرهابية، وهذا مؤشر وحده كاف ليؤكد وجود تحركات إقليمية للجماعات الجهادية قد تمتد لتطال كل دول المغرب العربي، بالتوصيف السياسي، وشمال إفريقيا بالتوصيف الجغرافي .

ولعل هذه التطورات السريعة على مدى السنوات الثلاث، هي ما استنفرت الولايات المتحدة وأوروبا باتجاه متابعة الظاهرة الإرهابية ودخولها على خط ثورات الربيع العربي. ويحلو للبعض القول إن الغرب متخوف من فشل التجربة التونسية، التي تعد "شمعة" الربيع العربي، ولهذا برزت أصوات تشير إلى أن تعيين رئيس الحكومة المهدي جمعة، كان بضغط أوروبي وأمريكي. ويدللون على ذلك بسلسلة لقاءات عقدها المهدي جمعة مع سفراء دول أجنبية في الفترة التي سبقت إعلان ترشيحه لخلافة علي العريض.

ويقال أيضاً إن اختيار وزير الصناعة السابق رئيس للحكومة التونسية فيه إشارة بليغة عن رغبة الغرب (أوروبا وأمريكا) لدفع عجلة الاقتصاد المتعثر في تونس، كمحاولة لتجاوز عقبة الخلافات الإيديولوجية بين الإخوة الفرقاء في "تونس الخضراء".

نقلاً عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.