في الحب والكره الفيروزيَين

عبدالوهاب بدرخان

نشر في: آخر تحديث:

بعضٌ كثير من وجداننا وذوقنا وثقافتنا ومزاجنا تخلّق في حب أغاني فيروز وإدمانها. لا شيء لفيروز لدينا سوى الحب والتقدير، والشكر لأنها وجدت في هذا البلد وغنّت وعرّفتنا الى الصفاء والحنان والحميمية، بل الشكر لأنها اختارت الإقلال من الكلام الذي لا تجيد إلا غناءً، ما زاد الى سحرها وسموّها واسطورتها. فيروز حبيبتنا نعم، قديستنا لا.

صوتها يوحّدنا وسلطته علينا فوق كل سلطة، أما آراؤها فتخصّها ولا سلطة لها على أحد، بل تضعها كما وضعت ابنها زياد الرحباني قبلها في سلة الانقسامات. فهو الآخر أحببنا موسيقاه وفنّه وروحه المرحة ونقده اللاذع المنفلت عندما كان لا يزال يعرف للإنصاف معنىً، أحببنا الحرية التي كان يوحي بها ويجسّدها، غير أن الفنان الذي دفعه نزقه الى استظراف القتلة والاستخفاف بإراقة الدماء واستحسان الاغتيالات ما لبثت رعونته أن جعلته يرمي بصورة أعزّ الناس اليه في مستنقع السياسة.

لفيروز أن تحبّ وتكره من تشاء، فهناك من سيتفق أو يختلف معها. وحبها للسيّد حسن نصرالله قد يسحب من رصيدها المعنوي ليعطيه رصيداً هو في أمسّ الحاجة اليه لكنه لا يستطيع صرفه في أي مكان. فهو لن يعيد اليه محبّيه الذين خسرهم وكانوا أكثر من كُثُر، ولن يلطّف من غلوّه وتعصبه ولهجة الاحتقار التي يخاطب بها من يسمّيهم "الفريق الآخر" من أبناء الوطن الذي لم نعد نعرف اذا كان لا يزال يعتبره وطنه أو مجرد ساحة لممارسة التسلّط على اللبنانيين بسلاح الترهيب وسبابة التهديد والعقيرة المرتفعة.

قد تكون فيروز أحبت نصرالله للسبب نفسه الذي جعل من حبّه حالاً عربية واسلامية يوم كان يحارب اسرائيل، لكن هل لا تزال تحبّه بعدما أفسد التعايش بين اللبنانيين وانتهك مقاتلوه حرمة البيوت في بيروت وصيدا، بعدما حقّر الدولة وتجاوزها وأصبح حزبه متهماً بالاغتيالات، وبعدما لوّث تاريخه بإرسال اخوته وأبنائه لقتل السوريين المدافعين عن حريتهم وكرامتهم وللوقوف الى جانب نظام يقتل شعب سوريا ويدمر مدنها وعمرانها... هل هذا من تحبه فيروز؟ هنيئاً للمحبّ وللمحبوب. اللهمّ لا شماتة ولا حسد ولا حتى غضب. ولله في خلقه شؤون.

في خطابه الأخير شرح نصرالله لماذا هو محبوب: لأنه مصرّ على كل السياسات التي يرفضها أكثر من نصف شعبه، ولأنه يصادر حاضر البلد ومستقبله، ويواصل دفع الجيش في مواقف لا يريدها، ويجازف بالدولة والحكومة والاقتصاد، ويتاجر بـ "التكفيريين" آملاً بانتصار نظامي دمشق وطهران على شعب سوريا، وعلى أنقاض سوريا، وعلى كل القيم الانسانية... وفي كل خطاب يدّعي امتلاك كل الصواب رغم أنه مندفع نحو المجهول.

نقلاً عن صحيفة "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.