هل "آن أوان الرحيل"؟

هاشم عبدالعزيز

هاشم عبدالعزيز

نشر في: آخر تحديث:

"آن أوان الرحيل"، بهذا الإعلان لم يضع وزير البيئة والتخطيط العمراني التركي نهاية لوجوده في حكومة رجب طيب أردوغان لينضم إلى وزيري الداخلية والاقتصاد اللذين قدما استقالتهما على خلفية فضيحة الفساد التي هزت تركيا وأدخلتها في تداعيات مفتوحة على غير احتمال وحسب، بل كان يعني الوضع السائد في البلاد ممثلاً بحزب العدالة والتنمية القابض على مفاصل السلطة والدولة حكومة ورئاسة وبرلماناً، فقد قال "من أجل مصلحة هذه الأمة وهذا البلد أعتقد أن على رئيس الوزراء أن يستقيل" .

هل كان الوزير التركي بإعلانه ودعوته أردوغان مبادراً إلى تفادي حزبه ما ستؤول إليه ردود الأفعال، أم كان يعبّر عما آل إليه هذا الحزب من انقسام؟

والسؤال الأساس: ما الذي يجري في تركيا؟ ولأي الأسباب تتسارع التداعيات بهذا القدر المنفلت إلى درجة مثيرة للاستغراب؟ فالصورة الزاهية التي بدت عليها تركيا خلال الأعوام القليلة الماضية، خاصة في نموها الاقتصادي بدت وكما لو أنها كانت قائمة على بنية هشة، وهذا ما كشفته حالة انهيار العملة التي وصلت في غضون أيام إلى مستوى لم تشهده البلاد في أشد ظروفها، فكيف الأمر يحدث على هذا النحو في ظل ما تسوقه وسائط الإعلام عن التقدم والازدهار؟ .

ما هذه التقلبات المفاجئة على حالة تركيا إذا ما أخذنا في الاعتبار التغيرات التي طرأت على أردوغان من رجل رصين وحيوي وواسع الاطلاع إلى شخص مرتبك ومذعور و"من إصلاحي متحمس إلى فاشي نزق" حسب صحيفة "الفايننشال تايمز"؟

والآن: هل ما حدث كان مؤقتاً؟، أم أن الأزمة التركية بلغت ذروتها وجاءت فضيحة الفساد والتزوير وغسل الأموال لتحدث هذا القدر من الانفجار؟

بداية لابد من الإشارة إلى أن تركيا تشهد في غضون سنوات حكم حزب العدالة والتنمية استقراراً في أوضاعها التي كانت مضطربة، وتقدماً في مجالات التنمية وتحسناً في معيشة السكان، ومن أبرز مظاهر الحياة السياسية التي استجدت تراجع تدخل الجيش في الشأن السياسي الداخلي، والمؤكد أن هذا ما كان ليحدث من دون رضا ودعم أطراف دولية يهمها الوضع في هذا البلد العضو في حلف شمال الأطلسي والوحيدة في المنطقة المرتبطة بعلاقات مع "إسرائيل" في مجالات عدة اقتصادية وأمنية وعسكرية .

غير أن هذه ال"بحبوحة" كانت مسكونة على أزمة متعددة تبدأ بما آلت إليه البلاد من انقسام سياسي حاد كانت سلطة حزب العدالة لا تواجهها بمبادرات التفاهم والشراكة والتقارب، بل بالتجاهل، وهي خلفت حالة تجاذب مع الجيش بما يعني ذلك من مخاوف ومخاطر.

أزمة تركيا راهناً في سياستها الخارجية التي تستجر الماضي العثماني وهي لا تتصادم مع المتغيرات بل ولا تستقيم وحال تركيا المحكوم حتى الآن بمخلفات انهيار إمبراطوريتها، وفي هذا الشأن نالت المنطقة العربية نصيب الأسد من التطفل والتطاول والتدخل، كما هو شأن السياسة التركية تجاه جمهورية مصر العربية .

وإلى هذا وذاك هناك الانقسام المتداعي في حزب العدالة الذي يرشحه العديد من المراقبين للتشرذم إذا ما تسارعت تداعيات أزمة الفساد والأدل على هذا الاستقالات المبكرة لوزراء ونواب من الحزب .

وإذا ما أضفنا إلى هذا لجوء السلطات التركية إلى الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين وإلى القمع الوحشي للصحفيين واستهداف القضاء، ما يكشف أن الديمقراطية في تركيا مفصلة على ترديد شعاراتها لا على مبادئها وقواعدها وثقافتها، والأهم مؤسساتها فإن قضية الفساد في تركيا هي أزمة وستكون عاصفة بالوضع السائد بذاتها .

مع أن الفساد بات ظاهرة مستشرية في كافة بلدان العالم والاختلاف في تفاوته ومجالاته، إلا أن أتراك حزب العدالة قدموا أنفسهم للناس برداء إسلامي من النزاهة والاستقامة والأمانة ونظافة اليد والبراءة من المال الحرام ولم ينقص هؤلاء سوى الإعلان أنهم "ملائكة الأرض" الذين يستحقون كامل الثقة، فإذا بالأمور تأتي على خلاف الدعاية، إذ انكشف الغطاء وبات الفساد لدى هؤلاء غير قاصر على مَن يقوم بالعمل في إدارة أو وزارة أو مؤسسة بل ويمتد إلى أسر أصحاب القرار .

إشكالية فساد تركيا أنه في نظر رجب أردوغان ادعاء كاذب ومؤامرة؛ فيما هو في نظر الرئيس التركي عبدالله غول ومن حزب العدالة مختلف "أنه لن تجري التغطية على أي فساد في تركيا" وعلى هذه المفارقة أي مستقبل لأردغان وحزب العدالة؟
هذا ما ستجيب عنه الأحداث والتطورات الجارية في الميدان .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.