عاجل

البث المباشر

عبد الناصر العايد

<p>عبد الناصر العايد</p>

عبد الناصر العايد

العسكر المنشقون ودورهم المستقبلي في سوريا

أكثر من ألفين، هو عدد الضباط الذين انشقوا عن قوات الأسد، ينتمون إلى كافة صنوف القوات العسكرية والأمنية وأجهزة الشرطة، من أدنى الرتب إلى أعلاها، ومالا يقل عن ثلاثة آلاف ضابط صف من مختلف الاختصاصات، كتلة بشرية كبيرة ومؤهلة لكنها لم تكن ذات أثر يذكر على مسار الثورة، وتقبع الأغلبية الساحقة منها في مخيمات اللجوء في تركيا والأردن، بلا عمل أو فاعليّة تذكر، لكن أيا كانت الأسباب وراء هذه الحالة، فإن كتلة العسكر المنشقين تفقد قوتها الكامنة، بل ربما زاد بعدها عن الشأن الثوري المباشر اليوم، احتماليّة تحولها إلى لاعب أساسي في المرحلة الانتقالية، القادمة لامحالة.

لم ينسجم العسكريون المنشقون، خاصة الضباط، مع الطبيعة الميلشياوية لتجمعات الثوار المقاتلين، وقد انضم أكثرهم إلى الفصائل المسلحة، و قبلوا الخضوع لقيادة المدنيين، لكنهم لم يتمكنوا من التأقلم مع الارتجال وعدم الانضباط وضعف التنظيم، واجبروا على الانعزال والاكتفاء بالمراقبة أو التخطيط من بعيد، وفي حالات عديدة اصطدموا بالثوار المدنيين الذين يعملون معهم دون سبب وجيه، فالشبان الذين التحقوا بالكتائب الثورية يحملون اسوأ الذكريات عن مرحلة خدمتهم العسكرية الإجبارية في الجيش السوري، حيث كان الضابط مثال الشخص الفاسد المرتشي والمتسلط، الذي اذاقهم الذل والهوان، والذي يحلمون بالانتقام منه، وهو ما انعكس بشكل واعي وغير واعي في تعاملهم مع المنشقين، رغم انحيازهم للثورة.

من ناحيتها صنعت الأدلجة الدينية المتصاعدة بين الثوار المدنيين، حاجزا كبيرا بينهم وبين العسكريين الذين كانوا بعيدين جداً عن الممارسة والثقافة الدينية بحكم عملهم الذي يمنع فيه أي مظهر من مظاهر التديّن أو الاهتمام بالفكر الديني.

وقد اصطدمت التوجهات الوطنية- بحدّها الأدنى- المتوفرة عموما لدى الضباط، بالمشاعر الطائفية والمذهبية التي ترتّبت على ممارسات النظام الطائفيّة الفاقعة، وكانت عبارة "تربية حافظ الأسد" أو "خريج البعث" بمثابة تهمة قاتلة تلصق بسهولة بأي ضابط يعارض هذه التوجهات علناَ، أو تقصيه عن العمل في أفضل الأحوال، فيلجأ إلى المخيمات لينكفئ على نفسه. ولاتزال الإشاعات عن بعض الضباط البارزين ممن صرّحوا بمشاعرهم الوطنية، وقتلهم بطريقة غامضة، مثار تداول وتساؤل في أوساط العسكريين، ويتذرعون بها كلما طرح عليهم السؤال حول عدم المشاركة بالقتال في صفوف الثوار.

أيضاً، يبدو أن القوى الدولية التي تدخلت ورعت الثوار المسلحين، لم تستسغ التعامل مع العسكريين، فهم بغالبيتهم صعبي المراس، ولديهم اجندات عسكرية ووطنية، لا تتسق مع توجهات تلك القوى التي تبحث عن الولاءات لا عن الكفاءات.

ويقرّ الضباط المنشقون، بأن عدداً لا بأس به من زملائهم ليس لديهم ما يقدمونه للعمل المسلح، سواء بسبب نقص الكفاءة، أو عدم وجود نظير لاختصاصه لدى الثوار، كالضباط الطيارين والبحريين، وأحياناً بل إن هناك من يشكك بحقيقية ولاء البعض للثورة، فهو انشق بسبب الضغوط على ذويهم أو محاصرة قطعاتهم، أو حتى بمهمّة من قبل مخابرات النظام لاختراق صفوف الثوار.

لكن وعلى الرغم من سوء التعامل معهم من قبل كافة أطر الثورة المدنية والعسكرية والسياسية، إلا أن معظم المنشقون لم يفقدوا الأمل ولا الطموح، ويعتقدون أنهم قدموا شيئاً مهماً حين حرموا النظام من مهاراتهم التي لا تعوض، كالطيارون مثلاً، و ضحوا بالميّزات التي كان يغدقها عليهم، كما هو الحال مع ضباط المخابرات، وحرموا انفسهم من رواتبهم وتعويضاتهم، وحرقت منازل أغلبهم، ونكّل بذويهم، ويعتقد من لم تتلوث ايديهم بأموال الدعم الخارجي على حدّ تعبيرهم، انهم يمثّلون الجهة التي حافظت على نظافتها ووطنيتها، وتمتلك التأهيل والكفاءة لخوض تجربة أعادة بناء المؤسسة الوطنيّة الأهم، ألا وهي الجيش الجديد.

وفي الحقيقة تبدو التطورات السياسية تتجه مسرعة لتكون في صف هؤلاء، إذ تتفق آراء كافة الأطراف على بقاء مؤسسّة الجيش السوري مع إعادة هيكلتها تدريجياً، وإعادة المنشقيّن أليها في إطار صفقة دولية لجعل المرحلة الانتقالية وحكومتها المشتركة أمرا واقعياً بطريقة ما، فكتلة العسكريين هؤلاء لا غنى عنها لإعادة وصل ما تقطع بين الجيش كمؤسسّة عامة والشعب السوري، وإكسابها الشرعية الوطنية مجدداً بعد أن أصبحت مجرد عصابة طائفية قاتلة، وهذا لن يتحقق ألا بحصول ممثلي الثوار الذين سيعودون إليها، على النصيب وافر من القيادات الحساسة والمؤثرة، والمشاركة في أعادة هيكلة الجيش السوري بنيوياً وعقائدياً بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الديكتاتورية، وهي مهمة خطيرة سيترتّب عليها الكثير من وقائع الزمن القادم، خاصّة أن سوريا بوضعها الجيو سياسي، ستبقى في المدى المنظور مكاناً للتجاذب السياسي الذي يحسب فيه حساب قوتها العسكرية.

اضافة إلى ذلك، سيناط بالقوة العسكرية الجديدة، التي ستشكل من بقايا النظام والمنشقين، مهمّة رعاية التحولات السياسية في البلاد، فاستحقاقات مثل الانتخابات البرلمانية والرئاسية وغيرها، لن تكون ممكنة مالم تتمتع بحماية قوة عسكرية، خاصة مع ترسخ ظاهرة التنظيمات المسلحة ذات التطلعات والاجندات الخاصة، والتي ستحاول أن تفرض ارادتها بقوة السلاح.

لكننا لا نعتقد أن عودة العسكر المنشقون إلى واجهة الأحداث في سوريا سيكون مأمون العواقب، فعدم ارتباط النسبة العظمى منهم بأجندات خارجية، لا يمكن اعتباره نزعة وطنيّة بالمطلق، فالداعمون شاءوا ذلك، وهم عندما يقررون خلافه فقد نجد الكثير من المهرولين ليكونوا أدوات لهذه القوة الخارجية أو تلك، ولتصبح هيئة العسكر الجديدة عدة أجنحة متنافسة ومتصارعة، وربما تخضع المؤسسة العسكرية بكاملها لقوى واجندات غير وطنية، كما هو حال الجيشين العراقي والليبي حالياً، كما لا يمكن اعتبار عدم انخراط العسكريين اليوم في الفصائل الجهادية التي تحاشتهم نوع من الميول الديمقراطية التعددية، فهم قد ينغمسون في ممارسات ديكتاتورية من نوع أخر، تعيد انتاج النظام السابق بأسماء وعناوين جديدة.

لذلك لابدّ من التحوط مسبقاً، وإلزام المؤسسّة العسكرية بدورها الوظيفي منذ لحظة اطلاقها مجدداً، ومراقبة وقمع أي انحرافات عن ذلك الدور، وجعل تدخّلها في السياسة في حال الاضطرار له، محدوداً ومقيداً بالمرحلة الانتقالية، وعدم المبالغة في الترحيب بدورهم مهما بلغ شأن الخدمات التي سيقدمونها في المرحلة القادمة، على نحو ما حدث عند التعامل مع بعض الفصائل المسلحة، التي منحت تفويضاً عاماً نظيراً لخدمتها للثورة والثوار، ثمّ سرعان ما انقلبت عليها وعليهم بعد تمكّنها، لتصبح داءَ عضالاً ستعاني منه البلاد إلى أمد غير محدد.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات