عاجل

البث المباشر

عطاء الله مهاجراني

كاتب إيراني

كاتب إيراني

قابيل! أين أخوك هابيل؟

حياتنا بأكملها عبارة عن رحلة! خلال هذه الرحلة، نسافر من مكان إلى آخر، ومن بلد إلى آخر. أنا شخصيا أحب السفر كثيرا، فخلال أسفارنا نتعرف على أناس جدد، نرى بعيونهم ونستمع إلى خلاصة الحكمة التي تعلموها من الحياة، ومن ثم يمكننا اختبار تجارب جديدة تفيدنا في سنوات أعمارنا الآتية. كنت ذاهبا مؤخرا إلى الرياض لحضور مهرجان الجنادرية. وفي طريقي إلى الرياض، مكثت لفترة قصيرة في صالة الانتظار الخاصة بالخطوط الجوية التركية في إسطنبول، التي كانت رائعة ومدهشة، حيث إنني لم أرَ صالة انتظار في مثل جمالها ودقة تنظيمها في حياتي.

- السلام عليكم!

- السلام عليكم! كيف حالك؟

وخلال فترة الانتظار، دار حديث بيني وبين رجل إيراني الجنسية في منتصف العمر، مهندم الثياب، أخبرني أنه يعمل مزارعا.

وعلى الرغم من أن هذا الرجل هو مبتكر أحد أساليب الزراعة الحديثة في إيران، فإنه بدا غير سعيد. بادرني الرجل بالسؤال التالي: «هل تعرف متى ستتحسن الأوضاع في إيران؟ ومتى سيمكننا تنفس نسيم الحرية والنزاهة؟».

قلت له إن ذلك لن يتحقق بسهولة في المدى القريب، فقد شكلت تلك الأوضاع جزءا من قصة حياة جيلين أو ثلاثة أجيال في تاريخ إيران!

- فقال لي الرجل: لماذا تتحدث هكذا مثل رجل مُحبَط!

فأخبرته أنني لست محبَطا، لكنني، على الجانب الآخر، لا أبالغ في نظرتي المتفائلة.

- فسألني: هلا أخبرتني لماذا تفكر بهذه الطريقة؟

- فأجبت: بالطبع. المشكلة تكمن في أسلوب الحكم الغريب الذي يطبقه رجال الدين، الذين يتفردون عن غيرهم بثلاث خصائص؛ أولا، يعتقد رجال الدين أنهم يعرفون كل شيء، لذلك يستخدمون كلمة «عالم» لوصف أنفسهم فقط! ثانيا، يؤمنون بأنهم هم وحدهم الذين يحتكرون الحقيقة الخالصة والمطلقة، وأن ما عداهم من الناس على خطأ. ثالثا وأخيرا، يعتقد بعض رجال الدين أن خبراتهم وتجاربهم فريدة من نوعها وأنها الأفضل. وعليه، فالسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نتعامل مع هؤلاء الأشخاص؟

بعبارة أخرى، كيف يمكننا التعامل مع رجل يدعي أنه يحكم بأمر الله وأن كل ما ينطق به هو الصواب؟

وعلى الرغم من أفكارهم تلك، فإن أولئك يواجهون سيلا هائلا من الأسئلة والشكوك، ومن ثم لا مفر أمامهم إلا أن يعيدوا النظر في تلك الأفكار لتكون متوافقة مع ما تتبناه الأجيال الجديدة. ينبغي عليهم أن يدافعوا عن أفكارهم بشيء من العقل. إنهم في حاجة إلى إصلاح شامل وحقيقي لخطابهم.

واسمحوا لي بأن أشرح وجهة نظري من خلال طرح مثال. في فترة طفولتي، كانت العلاقة بين الأب والابن مثل العلاقة بين المدير والموظف الصغير. في ذلك الوقت، كان يجب على جيلنا أن يتقبل الأوامر التي تصدر عن آبائه. أما في العصر الحالي، فقد أصبح مستحيلا ومن غير المقبول أن نعامل أبناءنا بمثل الطريقة التي كان يعاملنا بها آباؤنا. فنحن عندما نتحدث إلى أبنائنا، نجد أنهم يريدون أن يستمعوا إلى مسوغات معقولة، حتى يمكنهم أن يتقبلوا آراءنا. كما أنه ينبغي علينا في بعض الأحيان أن نعترف بأخطائنا، وأن نشكرهم على تفضلهم بإرشادنا إلى الصواب. لكن السؤال: لماذا يشعر شخص مميز ومحترم مثل صديقي الجديد، بأنه لا يستطيع أن يجد إجابة شافية لأسئلته؟ ولماذا يشعر بأن الحكومة لن تتقبله؟

كلنا نعرف أن الأسماك يمكنها أن تسبح بحرية في النهر الواسع العميق، لكن عندما يصبح ذلك النهر ضيقا، والتيار فيه شديدا، تضطر الأسماك إلى ترك الأماكن الرئيسة في النهر، وتذهب للسباحة قرب الشاطئ، علها تجد مأوى بعيدا عن ضغط التيار القوي.

يجب علينا جميعا أن نخاطب حكومات بلادنا، وأن نطلب منهم أن لا يرغموا الشعوب على السباحة بجانب شواطئ الأنهار. البعض يترك بلده الأم ويهاجر إلى الخارج، بينما يبقى البعض الآخر بجسده داخل الوطن، لكن روحه تشعر بغربة موحشة في الوقت ذاته. قبل نحو عشرين عاما، كنت أجلس في غرفة الضيوف في منزل أحد أعز أصدقائي. كانت هناك لافتة غريبة معلقة على أحد جدران تلك الغرفة، مثل تلك التي تقول «ممنوع التدخين». تقول تلك اللافتة: «ممنوع الحديث في السياسة»، وتحيط بكلمة السياسة دائرة حمراء كبيرة. وتتضمن تلك اللافتة جملة رشيد رضا الشهيرة: «لعن الله السياسة..». صدقوني، جميعنا يحمل بداخله روح الأخوين قابيل وهابيل؛ فكلنا أبناء آدم. عندما تقتل حكومة شعبها، فهذا يعني أن روح قابيل تغلبت على روح هابيل في عقل وقلب تلك الحكومة. لقد رأيت هذا التناقض الغريب في إحدى روايات الكاتب الليبي إبراهيم الكوني «قابيل.. أين أخوك هابيل؟». في هذه الرواية، ينسج الكوني خيوط تناقض مدهش بين رجل عادي وسلطان، حيث يمثل العنف الجزء الرئيس في هوية السلطان. يقول الكوني في روايته: «من أراد أن ينال سلطانا على الناس لا يجب عليه أن يشمئز من مد يده ليخنق طفلا.. أنت اليوم لست يوسف الإنسان. أنت منذ اليوم يوسف السلطان».

من الواضح أننا جميعا نحاول جاهدين أن نبرر أفعالنا، لا سيما الحكومات التي تستخدم وسائلها المختلفة، كالتلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى، لتحقيق أهدافها. لكن، هل يستمعون لأصوات الآخرين؟

في الأسبوع الماضي، قمت بزيارة لطالبة مصرية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن. قالت لي الطالبة إنها بكت مرتين؛ الأولى عندما رأت حسني مبارك بنظارته السوداء هادئا وهو ممدد على سرير متحرك في قفص الاتهام خلال محاكمته. أما المرة الثانية، فكانت عندما رأت محمد مرسي وهو يصرخ في قفص الاتهام أثناء محاكمته. وتعتقد الطالبة المصرية أنها سترى في المستقبل حكاما يجلسون في قفص الاتهام. إنها دائرة مفرغة في تاريخنا المعاصر، فبدلا من إعادة بناء مصر، نهدم ونخرب بلدنا وأرواحنا بأيدينا نحن. هذا الموقف الذي تبنته تلك الفتاة الشابة والمتفوقة تجاه بلدها فريد من نوعه، فقد ذرفت دموعها من أجل مبارك ومرسي. أعتقد أننا جميعا في الشرق أو في البلاد العربية والإسلامية، نحتاج أن نتبنى مثل ذلك الموقف تجاه بلادنا. فالفتاة ليست ضد أحد.. إنها فقط تحب مصر وشعب مصر.

الأكثر من ذلك أننا إذا نظرنا إلى النخب، فسنجد أنهم لا يقفون بجانب طرف معين ضد طرف آخر. هذه النخب ليست في قفص الاتهام. إنهم ينظرون إلى البلاد والشعوب بشكل عام، لأنهم يهتمون بالمستقبل وليس باللحظة الحالية فقط. الشهداء ليس فقط أولئك الذين ضحوا بدمائهم في ميدان التحرير أو في حلب. إنهم أيضا أناس كثيرون يذرفون الدموع من أجل بلادهم. يقول المتنبي:

إنّ القَتيلَ مُضَرَّجا بدُمُوعِهِ

مِثْلُ القَتيلِ مُضَرَّجا بدِمائِهِ

*نقلا عن صحيفة "الشرق الاوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات