عاجل

البث المباشر

فهيد البصيري

<p>كاتب رأي</p>

كاتب رأي

يوم الاستقلال واليوم الحلال!

لا أعرف سر هذا الفرح الهستيري الذي يصيب الناس، وخصوصا الشباب في مثل هذه الأيام من كل عام، ومن يرى تصرفات هؤلاء الشباب، يعتقد أنهم لا بد من الموقعين على وثيقة الاستقلال أو من المشاركين في التحرير، أو على الأقل من شهداء التحرير! ومن بركات الوطنية أن هذه الحالة الهستيرية انتقلت إلى بقية دول مجلس التعاون ودون اتفاقية.

وصحيح أن كل دول العالم لديها أعياد وطنية، واحتفالات، وربما أعياد تحرير بعدد سنوات استقلال الكويت، إلا أن الأعياد فيها أعياد حقيقية، لها برامج خاصة، وترتيب منهجي، وأنشطة كبيرة تشارك فيها أجهزة الدولة المختلفة، وتستغلها الدولة في نشر الوعي الوطني السليم، ومفهوم المواطنة الحقيقية، ولا يترك الأمر لكل من هب ودب ليعلم الشباب ماذا تعني الوطنية، وكيف يجسد هذا الحب الوطني، وهذا بالضبط ما كانت تقوم به الكويت في السبعينات من القرن الماضي،عندما كانت الكويت دولة خليجية عظمى، ففي تلك الأيام كانت كل أجهزة الدولة، ومؤسساتها تشارك في هذه الاحتفالات، ومن خلال مهرجان كبير يقام على شارع الخليج، وكنا نأتي شبابا وأطفالا وشيوخا، للاستمتاع بما تقدمه هذه المؤسسات من عروض، أما أعياد اليوم، فقد تحولت إلى وبال على الشباب، وعلى الوطن وعلى المواطنين، فالناس تخرج في الشارع بلا سبب، فلا تجد شيئا تتفرج عليه، وببلاهة تبدأ بالتفرج على بعضها، وكأنهم للمرة الأولى يشاهدون بشرا على وجه الأرض، ثم تبدأ المشاكل ويبدأ الصراع التقليدي بين هابيل وقابيل، فيبدأ أولا بالماء، ثم بالفوم لإطفاء الحرائق الوطنية، ثم بالكلمات، وينتهي الاحتفال باللكمات، هذا بالنسبة لمن يمسك أعصابه من الفرحة، أما من لا يستطيع مسك أعصابه! فمشكلتنا معه مشكلة، فهذا لا تمسكه أرض ولاسماء، فهنا يوقف هذا الشاب الوطني الشارع بأكمله، ويحوله إلى حلبة رقص أو (زار)، إلى أن يخرج الجني الذي فيه، ويرتاح ثم يعود إلى سيارته، ويبدأ (التشفيط) و(التقحيص) حتى مطلع الفجر، ثم يجدها فرصة للتحرر من كل القيود الدينية والاجتماعية، وفي النهاية يتحول يوم الاستقلال إلى اليوم الحلال، فكل شيء فيه مباح حتى التحرر من الوطن والوطنية.

وما سبق يحتاج إلى أساتذة في علم الاجتماع، لتفسير هذه الطاقة الاحتفالية الهائلة، وسبب هذه السعادة المرعبة، فمستقبل هؤلاء المساكين مُظلل، تماما كتظليل سيارتهم، وإن شئت مُضلل أي ( مُضيع) من الضلال، ولن يجدوا في هذا المستقبل وقتا للفرح، فلا وظائف، ولا فرص تعليم، ولا سكن وربما ولا وطن، وصحيح أنهم صغار، وليس مطلوبا منهم أن يحملوا الدنيا على رؤوسهم منذ البداية، وعلينا أن نتصور، إذا كان هؤلاء الشباب لا يستطيعون السيطرة على فرحتهم في أيام الفرح، فكيف سنستطيع إقناعهم، أو السيطرة عليهم إذا اكتشفوا الحقيقة، وعرفوا المستقبل الذي صنعناهم لهم، وينتظرهم بلا وطنية!

*نقلاً عن "الرأي" الكويتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة