عاجل

البث المباشر

"مقاومة" نهج سليمان

لم يكن السجال الذي دار في لبنان على مدى 4 أسابيع حول البيان الوزاري لحكومة الرئيس تمام سلام مجرد نقاش لغوي حول أي عبارة يمكن اعتمادها في الفقرة المتعلقة بـ «حق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي» لمناطق لبنانية جنوبية، ودور الدولة في هذه المقاومة. إنه سجال سياسي بامتياز، لأن العبارات المختلف عليها بين الفرقاء الأضداد الذين جمعتهم هذه الحكومة في ظل ذروة عالية من التأزم بينهم، تعكس خيارات كل منهم لموقع لبنان الإقليمي.

وعند حصول التسوية المدعومة دولياً وإقليمياً على قيام الحكومة مطلع السنة، استبعدت قوى «8 آذار» شرط الاتفاق على مضمون البيان الوزاري، للمضي فيها، وكانت حجة رئيس البرلمان نبيه بري في رفض هذا الشرط أن اللغة العربية غنية بالمفردات ومطواعة، وتسمح بالتوصل الى تسوية على البيان لكن بعد تأليف الحكومة.

ولم يكن تمسك بري «بكل حرف» من أحرف كلمة مقاومة، بعد أن استخدم «حزب الله» التعبير نفسه على مدى 3 أسابيع، يعني تراجعاً في قدراته الإبداعية في اللغة العربية على إيجاد المخرج المناسب. ولم يكن عبثاً التمسك بالكلمة نفسها على رغم أن فريق «14 آذار» لم يطلب شطب كلمة مقاومة من البيان الوزاري، أو أي حرف منها، بل طلب ربط دورها بمرجعية الدولة، كما أن إصرار «حزب الله» على كل حرف منها لم يكن مجرد افتعال لانتصار موهوم بأنه وحلفاءه استطاعوا (لاحقاً) تكريس الكلمة في البيان الوزاري الموعود، بل لأن السجال هذا كان يختزل الخلاف بين مفهومين لتلك المقاومة: هل هي التي تقاتل الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية، أم تلك التي لا حدود أمامها، سواء من جهة الجنوب (مع فلسطين المحتلة) أم من جهة الشرق (مع سورية) أو من جهة الداخل في التعاطي مع الإرهاب والتكفيريين وفي التعامل مع الخصوم الداخليين، وهي حدود يفترض أن تكون الدولة مسؤولة عنها، فيما «حزب الله» يعتقد أنه كقوة إقليمية، الحدود كافة مفتوحة أمامه ولا مجال لتقييد حركته عبرها بالدولة أو غيرها.

كان يمكن الحزب، وخصومه أن يظهروا بعض التساهل اللغوي، لو لم يكن بدء الحكومة ممارسة صلاحياتها متزامناً مع بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، ولو لم يكن متلازماً مع قراره وطهران خوض معركة القلمون كأحد المواقع الاستراتيجية الضرورية لتحصين صمود النظام السوري، في العاصمة دمشق، ولو لم يكن قيام الحكومة مترافقاً مع تحضير بشار الأسد لإعادة ترشيح نفسه للرئاسة والفوز بها في انتخابات صورية يأمل منها إعادة تكريس سلطته وعودته الى لعب دور في الداخل اللبناني، بعد أن أزعجه تقديم حلفائه التنازلات في تشكيل الحكومة من دون الأخذ في الاعتبار حلفاءه المحليين... وكان يمكن الحزب أن يفسح في المجال أمام المخارج اللغوية في البيان الوزاري لو لم تكن طهران تقاوم محاولات الدول الغربية، لأسباب تتعلق بمصالح إسرائيل أو بمصالح حلفائها العرب، دفعها الى تنازلات على صعيد نفوذها على الساحة الإقليمية موازية لتلك التي قدمتها حتى الآن في ملفها النووي، ولبنان جزء أساسي من هذه الساحة... الخ.

قد يقول قائل إن عبارة في البيان الوزاري لحكومة قد لا يتعدى عمرها بضعة أشهر (حتى لو اقتضى حصول فراغ في الرئاسة في أيار/ مايو المقبل بضعة أشهر إضافية)، لن تقدم أو تؤخر، أو تمنع الحزب أو خصومه من المضي في سياساتهم ومواقفهم المعروفة والمعلنة، إلا أن واقع الأمر هو أن تشدد كل فريق بمفهومه للمقاومة ودور الدولة يرمز الى المرحلة الآتية بكل استحقاقاتها اللبنانية والإقليمية، وبالإدارة الخارجية لأزمات المنطقة التي باتت الحدود اللبنانية مفتوحة على مصراعيها في اتجاهها.

من الطبيعي والحال هذه أن يرفض الحزب أي إشارة في البيان الوزاري الى أن الرئيس الجديد للجمهورية يمكن أن يلتزم تقييد المقاومة بدور الدولة... لست سنوات آتية. وعلى رغم أن الحزب يخوض معركة «دونكيشوتية» ضد التمديد للرئيس ميشال سليمان، لإدراكه المسبق أن لا الأخير يريده ولا إمكاناته متوافرة محلياً وخارجياً، فإن افتعاله هذه المعركة وربطه إياها بالحكومة والبيان الوزاري، يعود أن الى معركته الحقيقية وهي ضد التمديد لنهج سليمان من قبل الرئيس المقبل، لجهة تكريس التزامه «إعلان بعبدا» بتحييد لبنان عن الأزمة السورية وامتداداتها الإقليمية، ولجهة استكمال محاولات الاتفاق على استراتيجية دفاعية تضع سلاح المقاومة بإمرة الجيش والدولة. وهو نهج يبكّر في قطع الطريق على استخدام إيران لبنان ساحة من ساحات نفوذها الإقليمي ويستبق المساومات التي تسعى إليها مع القوى الدولية والإقليمية حول هذا النفوذ... فوجبت «مقاومته» منذ الآن.

*نقلاً عن "الحياة".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات