عاجل

البث المباشر

عطاء الله مهاجراني

كاتب إيراني

كاتب إيراني

الحرب الباردة الثانية

النظرة المتأملة للخريطة التي تظهر فيها شبه جزيرة القرم إلى جوار روسيا توضح أن القرم وجزءا من روسيا يقعان بين بحرين: بحر آزوف في الشمال، والبحر الأسود في الجنوب، ويعطيهما هذا الموقع شكل تنينين يقفان وجها لوجه، فاغرين فميهما ويطلقان زئيريهما المخيفين. لكن في واقع الأمر، يبدو أن روسيا قد ابتلعت شبه جزيرة القرم بالكامل. والآن تبدو القرم وكأنها قطة سيامي تجلس على ركبة روسيا.
في العاشر من مارس (آذار) عام 1946، كتب جورج أرويل في صحيفة الـ«أوبزرفر» بعد مؤتمر موسكو الذي عُقد في آخر ديسمبر (كانون الأول) 1945، بدأت روسيا في شن «حرب باردة» ضد بريطانيا والإمبراطورية البريطانية. وقد انتهت هذه الحرب الباردة عندما انهار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، غير أنه يبدو أن حربا باردة جديدة قد اندلعت شرارتها يوم الثلاثاء الموافق الثامن عشر من مارس 2014.
في الثامن عشر من مارس، دشن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فصلا جديدا في تاريخ العالم المعاصر. كان الحدث هو مشهد اجتماع مجلس الدوما، والحاضرون هم لفيف من مختلف السياسيين وأعضاء روسيا الاتحادية وكتاب وصحافيون ورجال دين، أما هدف الاجتماع فكان تصحيح خطأ الاتحاد السوفياتي التاريخي. كان بوتين يصحح خطأ نيكيتا خروشوف، وعليه فقد عادت شبه جزيرة القرم مرة أخرى إلى أحضان روسيا.
وتبدو تلك القضية شائكة إلى حد بعيد، غير أنني أعتقد أن نذر الحرب الباردة الثانية قد شهدت خطوتين مهمتين باتجاه التصعيد. الخطوة الأولى كانت وما زالت الأزمة في سوريا، والخطوة الثانية هي أزمة شبه جزيرة القرم التي اندلعت مؤخرا، والتي ستلعب دورا حاسما للغاية في الوضع الحالي.
1 - يستخدم كلا الطرفين نفس الأدبيات في هذه الحرب الباردة الجديدة. على سبيل المثال، نشرت صحيفة «برافدا» الروسية مقالا بعنوان «الديمقراطية، استفتاء، روسيا والغرب».
يقول مقال «برافدا»: «في استعراض سافر للغطرسة والنفاق المحض، والغياب التام لاحترام عملية تصويت ديمقراطية، يرفض الاتحاد الأوروبي وسيدته - الجالسة على الضفة الأخرى من المحيط - استفتاء حرا ونزيها في شبه جزيرة القرم، والذي شهد إقبالا وصل إلى 85 في المائة من مجموع الناخبين في شبه الجزيرة، والذي أكدت نتائجه، أن 96.9 في المائة يرغبون في الانضمام إلى روسيا. ما درجة الوضوح التي يريدون أن تكون عليها الرسالة التي أوصلها لهم سكان شبه جزيرة القرم، ولماذا لا يستطيع الغرب أن يتقبل نتيجة ذلك التصويت الديمقراطي؟».
وهذا يعني أنه جاء الدور على روسيا حتى تبرر سياساتها واستراتيجياتها من خلال استخدام نفس اللغة السياسية التي تستخدمها أوروبا وأميركا.
2 - أعتقد أن روسيا - في الحرب الباردة الجديدة - لديها مساحة أكبر للمناورة واتخاذ القرار.
وقد استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ضد قرار الأمم المتحدة الذي ينتقد استفتاء الانفصال، الذي أجري يوم الأحد قبل الماضي في شبه جزيرة القرم الأوكرانية. وكانت روسيا هي عضو مجلس الأمن الوحيد الذي صوت ضد القرار.
أما الصين التي تعتبر حليف روسيا في تلك القضية، فقد امتنعت عن التصويت، باعثة بذلك برسالة إلى أميركا وأوروبا وروسيا والعالم أجمع.
إضافة إلى ذلك، هناك أمر آخر ينبغي وضعه في الاعتبار، وهو أنه في الوقت الذي كانت فيه أميركا وأوروبا تهددان بفرض عقوبات وضغوط اقتصادية على روسيا بعد خطاب بوتين الواثق في مجلس الدوما، أجرى بوتين اتصالا هاتفيا برئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ بشأن تطورات الأزمة في أوكرانيا وسبل وضع الاختيار الواعي من قبل السكان متعددي الأعراق في شبه جزيرة القرم - خلال استفتاء السادس عشر من مارس - موضع التنفيذ.
وقد ركز جزء كبير من الاتصال الهاتفي على قضايا التعاون التجاري والاقتصادي والعلاقات الثنائية بين البلدين في المجالات الأخرى. وقد أعرب رئيس الوزراء الهندي عن اهتمامه بتعزيز التعاون المتعدد الأطراف، وليس الثنائي فقط، بما يتضمن اتفاقيات الاتحاد الجمركي والفضاء الاقتصادي الموحد.
وخلال الاتصال الهاتفي، عبر زعيما روسيا والهند عن عزمهما القوي لتعزيز العلاقات الثنائية باعتبارها شراكة استراتيجية ومتميزة.
ويبدو واضحا أن الهند اليوم لم تعد هي نفس الدولة التي اعتدنا عليها في النصف الثاني من القرن الماضي، فقد شهدت قدراتها وقوتها العسكرية والاقتصادية تغييرا كاملا.
خلال القرن السابع عشر، عندما طلب ممثل بريطانيا مقابلة السلطان المغولي نور الدين سليم جهانكير، كان عليه أن ينتظر مدة عامين حتى يحصل على تصريح المقابلة.
بعبارة أخرى، ما أريد أن أقوله هو أننا نعيش الآن في عالم جديد، وعليه فإن الحرب الباردة الجديدة سوف تكون - وينبغي أن تكون - مختلفة تماما عن الحرب الباردة الماضية التي استمرت بين عامي 1946 و1991.
ويبدو ذلك شيئا طبيعيا، إذ إننا نشهد تحولا في الخطاب الخاص بمجالات الفلسفة والعلوم الاجتماعية وغيرهما، وكذلك نشهد تحولا آخر في عالم القوى العظمى. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بدأت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها في قيادة وتشكيل ملامح النظام العالمي الجديد.
قرأت مؤخرا كتابا عن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، وكان المؤلف قد اختار عنوان الكتاب باحترافية كبيرة: «أميركي بالصدفة، توني بلير والرئاسة».
والآن، وبعد عقدين من الزمان، لعبت روسيا خلالهما دورا سلبيا، كانت تقف فيهما موقف المتفرج على ما يجري من أحداث في العالم، تبدأ روسيا في لعب دور أكثر تأثيرا، إذ قد تضطلع بدور القوة التي تغير قواعد اللعبة تماما إقليميا ودوليا.
باختصار، روسيا لديها قضية تدافع عنها، أما أميركا والغرب فليس لديهم ما يدافعون عنه. ينبغي أن تكون شبه جزيرة القرم جزءا من أراضي روسيا الاتحادية، والحل الوحيد أمام الغرب هو أن يمتثل للواقع، وأن يحاول أن يعتاد على الوضع الجديد.
3 - أما في إيران، فقد لقي انضمام شبه جزيرة القرم لروسيا ترحيبا واستحسانا كبيرين! وهذا يعني أن الدولة الإيرانية سعيدة بالوضع الجديد في شبه جزيرة القرم، وكذلك بالحرب الباردة الجديدة بين أميركا وروسيا، فقد وفر الوضع الحالي فرصة لطهران لتنفس الصعداء فيما يخص قضيتي سوريا والملف النووي.
4 - خلال فترة الحرب الباردة (1947 - 1991)، قام خمسة زعماء عظام هم، جواهر لال نهرو، وأحمد سوكارنو، وجمال عبد الناصر، وكوامي نكروما، وجوزيف تيتو، بإنشاء حركة عدم الانحياز. وهناك 120 دولة أعضاء في هذه الحركة في الوقت الحالي. السؤال المهم الذي يفرض نفسه الآن: ما الدور الذي من الممكن أن تلعبه حركة عدم الانحياز في الحرب الباردة الجديدة؟

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة