مسلم في الاستخبارات الأمريكية

خليل علي حيدر

نشر في: آخر تحديث:

لماذا يثق الاسرائيليون والامريكان مثلا بمواطنيهم، مهما كان هؤلاء المواطنون الجدد حديثي التجنس، او حتى تربطهم بدول اخرى او جماعات مجاورة، روابط الدين او الاصل او غير ذلك، ولا نجد الا القليل من هذا في ثقافتنا العربية الاجتماعية، بل على العكس، نجد الارتياب والشك، والامثلة الشعبية التي تسخر ممن يثق بالآخرين، بل ويحذر بيت الشعر المعروف من الثقة حتى بالصديق، لانه ادرى بنقاط ضعفك، «فلربما انقلب الصديق فكان ادرى بالمضرة»!

تحدثت صحيفة الشرق الاوسط قبل عامين تحت عنوان «مسلم على رأس مركز مكافحة الارهاب التابع لـ«سي اي إيه» CIA يوم 2012/3/26، ان الامريكي «روجر»، وهو اسمه الاستخباراتي، ابرز شخصية في مجال الامن القومي في واشنطن، «كان المخطط الاساسي لحملة الهجمات الجوية التي قامت بها الاستخبارات المركزية، وخطط عملية قتل بن لادن، ومن عدة اوجه، كان هو من دفع ادارة الرئيس «أوباما» الى تبني طريقة قتل اهداف تطاردها اجهزة الدولة الامنية في اطار خطة مكافحة الارهاب. وقاد كذلك حملة اسفرت عن مقتل آلاف المسلحين الاسلاميين في الشريط القبلي واثارت غضب ملايين المسلمين، لكنه اعتنق الاسلام». نشأ «روجر» في ولاية فرجينيا في اسرة عملت في وكالة الاستخبارات عبر جيلين، وكانت اولى مهامه خارج البلاد في افريقيا، حيث راكم روجر خبرات هائلة من حالات التمرد والسياسة القبلية والصراعات، وتزوج من سيدة مسلمة قابلها في الخارج، مما دفعه الى اعتناق الاسلام. مع ذلك تقلد عددا من المناصب الرفيعة على مدى السنوات التالية ومنها رئيس عمليات مركز مكافحة الارهاب، ورئيس محطة استخباراتية في القاهرة، وارفع منصب في الوكالة في بغداد في اوج الحرب العراقية».

ونقلت الصحيفة عن زملائه «انه كان يخجل من ذكر ديانته، ولم يظهر اي التزام بالدين على الرغم من انه كان يمسك مسبحة».
ونشرت الصحيفة نفسها في 2011/3/30 تقريرا عن اسرائيل تحت عنوان «نتنياهو يختار افغانيا متدينا لرئاسة جهاز المخابرات العامة»! وذلك عندما اختار «نتنياهو» شخصية اسرائيلية من المتدينين اليهود الجنرال «يورام كوهين»، لمنصب رئيس جهاز المخابرات العامة - الشاباك، ليكون اول رئيس متدين لجهاز امني في اسرائيل، وصدم اختياره قادة جهاز المخابرات، وقيل بأن رئيس الوزراء الاسرائيلي قد خضع لضغوط مكثفة مارسها قادة المستوطنين في الضفة الغربية، الذين ارادوا منع تعيين جنرال آخر معروف بملاحقته التنظيمات الارهابية اليهودية.
وجاء في المقال الذي أرسله للصحيفة من تل ابيب مراسلها نظير مجلي، ان «كوهين» ينتمي الى عائلة بسيطة هاجرت من افغانستان في الخمسينيات من القرن الماضي، وقد ولد في حي فقير في تل ابيب سنة 1960، ويقطن بالقدس منذ سنة 1993 مع زوجته واولاده الخمسة. وقد درس في مدرسة دينية ابتدائية وثانوية، واكمل دراسته في اكاديمية الامن القومي للعلوم السياسية، وتميز بدراسة اللغة العربية واتقانها كلاما وكتابة. على الصعيد الوظيفي عايش «كوهين» الانتفاضة الفلسطينية، وفي عام 1996 ترأس وحدة الاغتيالات في جهاز المخابرات بالضفة الغربية، وفي سنة 2001 اصبح رئيسا للوحدة الخاصة لما يسمى «مكافحة الارهاب العربي والايراني». وفي سنة 2009 سافر للدراسة في واشنطن، وعمل باحثا في معهد واشنطن للسياسة الامريكية في الشرق الادنى، ونشر عدة دراسات حول القضايا الايرانية، والعلاقات الايرانية السورية واللبنانية وغير ذلك.

لماذا لا تثار عادة اسئلة الولاء والهوية في الولايات المتحدة واسرائيل في مثل هذه التعيينات؟ ربما كان السبب رسوخ العمل المؤسسي هناك، حيث لن يخدم هؤلاء «الحكام» والانظمة الفردية، بل يخدمون انظمة لديها اجهزة منتخبة شفافة تشرف على نشاطاتها.
هذا الى جانب الرقابة الاعلامية والثقافية، حيث تصدر بانتظام الكتب والتقارير المطولة عن نشاطات الاستخبارات في البلدين بعكس ما حدث ولا يزال في العديد من الدول العربية حيث لا تكترث هذه الاجهزة بأمن الوطن والمواطن بل بدعم الانظمة المتسلطة، ولا توجد قواعد واضحة او شفافية يناقشها البرلمان مثلا، حول نشاطاتها.

فتسلط هذه الاجهزة منذ عقود على حياة معظم العرب والمسلمين امر معروف. والكيفية معلومة احيانا ومجهولة سرية غالبا، والسؤال عن ذلك.. يعرض السائل للمهالك!

وجود الاقليات الدينية والعرقية في العالم العربي والاسلامي كان ظاهرة معروفة لقرون ولا تزال. وفي التاريخ الطويل للمنطقة نماذج كثيرة من الثقة بالوزراء والسفراء وجباة الضرائب من غير المسلمين.

ولكن التسييس الديني افسد هذه العلاقة، ووضع هذا الملف الخطير اخيرا.. في يد جماعات «داعش» و«النصرة» وغيرها.
كيف نبني قواعد جديدة للتعامل مع «الأقليات»، ومع من هو «مختلف» عنا؟ باعطائها على الاقل الامان الديني.. وحرية التعبير!

*نقلاً عن "الوطن" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.