عاجل

البث المباشر

حسن هاشميان

<p>كاتب رأي</p>

كاتب رأي

حسن روحاني بين المرشد وأتباعه

دافع محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني بنبرة محكمة عن سرية المفاوضات النووية مع مجموعة 5+1 في 17 فبراير الماضي مع حديثه لوكالة الأنباء الرسمية "أرنا"، وتحدى خصومه في البرلمان الذين أساسا يمثلون التيار المتشدد في إيران والمدعومين من قيادات الحرس والأجهزة الأمنية وجماعة أحمدي نجاد وبعض المراجع الدينية في مدينتي قم ومشهد. وهذه أول مرة في تاريخ الثورة في إيران، وزير محسوب على مخيّم "البراغماتيين" يتحدى المتشدّدين ولم يحضر جلسة الاستجواب في البرلمان التي استدعته من خلالها القوة المحافظة لتوضيح حول ملابسات سرية المفاوضات النووية. والأهم من ذلك نشهد بعده حالة التراجع في وتيرة الحملات على الحكومة الجديدة بصورة عامة ووزير الخارجية بصورة خاصة، بعد ما تصاعدت وتوسعت من كل صوب وفي شتى المواضيع لفترة طويلة من الزمن والمدعومة من جميع المؤسسات التي تعتبر من أهم مراكز القوة المتعلقة بالمتشدّدين.

وفي المقابل، وهو ما يثير الاستغراب، بدأ الرئيس حسن روحاني هجومه المعاكس على هؤلاء المتزمتين بسياستهم الانقباضية القديمة والمعادية لأي انفتاح في الداخل والتطبيع في الخارج، بالكشف عن فساد مالي يتجاوز الـ 25 مليار دولار، يقول إنه حصل في زمن أحمدي نجاد وعلى يد مقربين منه باسم سياسة الالتفاف حول العقوبات التي أدت الى سرقة أموال الشعب بدلا من تقديم رؤى لتخفيف آثار العقوبات، حسب ما صرح به الرئيس الجديد بصورة واضحة وعلنية يضع خصومه المتشدّدين في موضع الاتهام.

لا شك أن هذه السياسة القوية وغير المسبوقة التي لم نلمسها لا في زمن محمد خاتمي الرئيس الإصلاحي الأسبق ولا حتى في زمن رفسنجاني، لم تأت دون إذن من المرشد علي خامنئي ولو كان ذلك، لم يتجرأ حسن روحاني المعروف بشخصيته المحافظة والمكتومة، بقرع أبواب الحرس الثوري ومطالبتهم أولا بوقف "مناوراتهم العسكرية الاستفزازية" في المنطقة كما جاء في خطابه أمام الإدارة العلياء في وزارة الدفاع يوم السبت الماضي، واتهامهم بالفساد ثانيا، حسب ما جاء في كلامه أمام حشود من المواطنين في مدينة "بندرعباس" في جنوب إيران. ولكن السؤال الأساسي هو إلى أي حد سيقف خامنئي خلف حسن روحاني في المفاوضات النووية وسيقدم الدعم اللازم له؟ وهل تأتي المفاوضات بالنتائج المرجوة التي يطالب بها الولي الفقيه؟ وهل المتشدّدون في إيران سيقفون مكبلي الأيدي حتى يزيحهم حسن روحاني من السلطة في الانتخابات البرلمانية القادمة؟ مهما تكن الأجوبة، كل شيء ينذر بأن طريق حسن روحاني سيكون ملفوفا في المخاطر الأساسية ولا يمكن له مرورها بسهولة، خاصة أن المرشد علي خامنئي أعطى الضوء الأخضر للمتشدّدين لملء الساحة من أجل ما سماه "مخاطر الغزو الثقافي" في خطابه في اليوم الأول من العام الجديد الإيراني في مدينة مشهد، والمقصود من الغزو الثقافي هو إشارة واضحة الى بعض الوعود التي قطعها حسن روحاني للناخبين من الطبقات الشابة والنسوية إبان حملته الانتخابية في يونيو 2013 التي وعدهم فيها بشيء من الحريات الاجتماعية وتخفيف القيود على الإنترنت.

من جانب آخر حسن روحاني هو رجل المرحلة ويثمن بدوره الوظيفي عند الولي الفقيه ومهمته تمرير المشكلة النووية التي كادت تقطع جميع الشرايين الاقتصادية لإيران بعد ما فرضت عقوبات على قطاع النفط، وخلقت حالة خطيرة من تأليب الشارع الإيراني ضد المرشد علي خامنئي الذي تنقص حكمه العدالة والديموقراطية وتوفير الخدمات البسيطة للمواطن الإيراني إلى تصاعد احتمالات الضربة العسكرية بوجه النظام الحاكم. وكان الكثير من المسؤولين الإيرانيين الواقعيين يعرفون خطورة الموقف ونادوا بالإصلاح والتغيير والتخلص من المواجهة الحتمية مع الغرب. وجاء حسن روحاني بوجهه الجديد والسياسة النووية الجديدة بضوء أخضر من المرشد على خامنئي الذي هو بالأساس قد استوعب خطورة المرحلة، وقرر رفع الراية البيضاء شرط أن تُدار بسرية كاملة، حسب ما طلبته إيران من الأطراف الغربية بغية احتواء العوامل الدخيلة التي ربما تصبح حجر عرقلة في طريق المفاوضات النووية وتعثر وتصعب الاتفاقية، خاصة فيما يتعلق بالداخل الإيراني والتضييق على فريق المفاوض ومن خوّله في أعلى هرم السلطة في إيران. وبعد ذلك قبلت إيران بجميع شروط الوكالة الدولية وفقا إلى الاتفاقية المبرمة بينها ومجموعة 5+1.

تقرير مفصلي من قبل آمانو

تقرير يوكيا آمانو مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي نُشرَ في نوفمبر 2011 وأشار في طياته بـوضوح الى نشاط إيران النووي المشبوه بأغراض عسكرية، أدى الى وضع أقسى شكل من العقوبات على إيران، حيث منع نظام الولي الفقيه من تصدير مليون برميل من النفط يوميا، والتي اعتبرت خطوة مجدية ووضعت رأس صاحب القرار في إيران تحت المقصلة، متخوفا من تقرير جديد يصدر من مدير الوكالة ويقضي على ما تبقى من صادرات إيران النفطية، التقرير الذي حُجب في الأيام الأخيرة بعد أن قبلت إيران بكل شروط الوكالة وقامت بتنفيذها، دفع إيران الى فتح أبوابها للتعرف على كل أسرارها النووية بما فيها مشروع "الزناد النووي" الذي أخفته طويلا وأنكرته بالأساس. وجاء هذا الكشف من ضمن سبع بنود التزمت إيران بالتعاون مع الوكالة حولها، ويتوقع مفتشو الوكالة دخول محطة "بارشين" العسكرية في نهاية الصيف القادم والاطلاع على حيثيات دراسة مهمة جربتها إيران حول "الزناد النووي" داخل محطة بارشين المحاطة بنظام مراقبة صارم من قبل الحرس الثوري في شرق العاصمة طهران.

ووفقا إلى هذه الدراسة كان بمقدور إيران إنتاج "الصواعق المتفجرة" التي تعتبر المدخل الهام لإنتاج القنبلة النووية من خلال تفعيل مادة النيوترون داخل عملية يطلق عليها باللغة الإنجليزية "آرشين"arch in، وهي عملية تُحرك مادة النيوترون في داخل العنصرين "البولونيوم" و"البريليوم" في جدار اليورانيوم المخصب على 90 درجة، تنتهي بتفجير المادة النووية من خلال "الزناد النووي". يبدو أن هذا الكشف كان خيار إيران الوحيد لا مفرّ منه لإدخال العملية التفاوضية في طريقها الصحيح والبحث عن مجرى ينتهي بتخلص من العقوبات الدولية المفروضة عليها، على الرغم من أنه أثار امتعاض بعض قيادات الحرس ودفعهم إلى التحرك ضده.

وبعيدا عن الأضواء ومن أجل التقليل من حدة الصدمة التي تأتي عقب إعطاء هذه النقطة الثمينة إلى الدول الغربية على الدوائر العامة من موالي الولي الفقيه الذين تعودوا في السنوات الخمس الأخيرة على استماع الخطاب الصمودي تجاه الغرب فيما يتعلق بالملف النووي، اختار أصحاب القرار في إيران أيام الذكرى السنوية للثورة في مطلع فبراير 2014 تقديم التنازلات التاريخية والمؤلمة وإبرام الصفقات النهائية مع الوكالة حول نشاط إيران النووي، حيث يكون عامة أتباع الولي الفقيه منهمكون في هذه المناسبة ويكون من السهل تمرير هذه المراجعة إعلاميا. هذا على الصعيد الداخلي ولكن التزام الوكالة الدولية بعدم الكشف عن نوايا إيران للحصول على القنبلة النووية من خلال مشروع "الزناد النووي"، سيثير النقاش في داخل الوكالة وسيقرع أبوابها من الخارج لإعطاء المزيد حول تجارب إيران في محطة بارشين العسكرية وعدم إخفاء معلومات هامة تتعلق بأمن العالم والمنطقة.

المحطة السرية الثانية تتعلق بمفاعل الماء الثقيل في مدينة أراك في وسط إيران. ووفقا لتقرير آمانو فإن إيران أوقفت نشاطاتها الحساسة في هذه المحطة، على أساس البنود السبعة المتفق عليها بين إيران والوكالة، ملتزمة بفتح أبواب هذا المفاعل أمام المفتشين الدوليين باستمرار، وفقا لخطة زمنية معينة، وهذا يعني قبول إيران بالبروتوكول الإضافي الذي يسمح بالتفتيش المباغت والمنظم ونصب كاميرات المراقبة وتقديم جميع خرائط المحطة منذ أن بدأت وحتى الآن، والخرائط المزعومة ستكشف لأول مرة من قام بـإنشاء مفاعل الماء الثقيل في أراك، في الوقت الذي تقول إيران بأنه صناعة وطنية.

وفي إشارة إلى الصراع القائم بين المتشدّدين والبراغماتيين حول سرية المفاوضات النووية، تم قبول البروتوكول الإضافي دون مصادقة البرلمان الحالي عليه، وهو ما أثار غضب خصوم حسن روحاني ولاسيما هؤلاء المقربين من أحمدي نجاد وسعيد جليلي الذين أصروا في الجولات السابقة من المفاوضات مع الدول الغربية، على حق البرلمان في التصويت على هذا البروتوكول، ويعتبرون التزام محمد جواد ظريف بالسماح للمفتشين لدخول مفاعل أراك أمام الدول الغربية، قفزة من على رؤوسهم تتخذها الحكومة الجديدة بدعم من المرشد علي خامنئي.

أما الحكومة الإيرانية فتأمل بعد كل هذه التنازلات المريرة، أن تقبل الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة بإعادة العمل في مفاعل الماء الثقيل في أراك تحت إشراف ومراقبة صارمة من الوكالة والسماح لها بتخصيب شيء من اليورانيوم للاحتفاظ بماء الوجه أمام الشعب الإيراني، في تفاصيل مباحثات الاتفاقية النهائية. ولو حصل ذلك ستكون الضربة قاسية على المتشددين الذين من المتوقع خروج الكثير منهم من البرلمان في الانتخابات القادمة بعد ما أزاحتهم الانتخابات الرئاسية من الحكومة. بهذه النتيجة، عرقلة المفاوضات النووية من قبل المتشدّدين ستكون مصلحة فئوية وحزبية لهم، تتعارض مع مطالبات المرشد منهم بقبولها، حيث رفع ثمن القبول بالاتفاقية النووية الى مدى اعتقادهم بمبدأ الولي الفقيه أو رفضه، ولكن على الرغم من هذه القيمة الباهظة التي على التيار المتشدّد دفعها في حال رفض وتحرك ضد الاتفاقية النووية، يبدو أن قيادات المحافظين في إيران مُصرة على مناهضة تنازلات حسن روحاني للدول الغربية فيما يتعلق بالمفاوضات النووية، وهذا الشرخ الجديد في أعلى الدرجات من هرم السلطة في إيران قد يضع مستقبل البلاد على مفترق الطريق، وسينتهي بإحداث أزمة حول صلاحيات علي خامنئي، خاصة أنه في العام القادم ستكون انتخابات حاسمة حول اختيار أعضاء مجلس الخبراء الذي مهمته التصويب للولي الفقيه.

تحركات الحرس الثوري

كشفت صحيفة كيودو اليابانية في ديسمبر 2013 ونقلت ذلك وكالة رويترز أن مجموعة من أربعة خبراء تابعين لوزارة الدفاع الإيرانية والمؤسسات المتفرعة منها، استقرت في كوريا الشمالية في مسافة 85 كيلومتر عن حدود الصين في مهمة سرية يزعم أنها استمرار للتجارب الصاروخية الإيرانية وامتزاجها بالنشاط النووي، بعد ما طال الحديث في كواليس البيت الأبيض وخاصة في المخابرات الأميركية حول برمجيات يطلق عليها اسم MCNPX يعتقد أن كوريا الشمالية قدمتها إلى إيران حسب ما ورد في صحيفتي إشبيغل وزود دويشة زايتونغ الألمانيتين في ديسمبر الماضي. ومن خلال هذه البرمجيات بـاستطاعة إيران الحصول على جهاز يمكّنها من التحكم بـ إدارة القنبلة النووية حين إطلاقها وزمن تفجيرها.

وتتضمن هذه المهمة السرية تعاونا خاصا حول رؤوس صواريخ "نودونغ" كورية الصنع التي يعتقد أنها نفس الرؤوس المحملة على صواريخ شهاب 3 الإيرانية.

بهذا التحرك المعاكس للمفاوضات النووية الإيرانية والمراقب من قبل الأجهزة المخابراتية الغربية، من الصعب على حسن روحاني تبريرها أمام الدول الغربية في المفاوضات وهذا ما يطلبه المتشدّدون في إيران من أجل إسقاط الاتفاقية النووية. ولكن السؤال الأساسي هو هل معقول أن كل هذه التحركات من قبل الحرس تأتي دون علم علي خامنئي بها؟!

جميع الافتراضات تقول إنّه لا يمكن للحرس الثوري في إيران أن يقوم بمهمة غاية في الحساسية كهذه، دون علم المرشد.

* الدكتور حسن هاشميان - صحفي وأكاديمي إيراني.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات