حول صمت وانفجار حماة واللاذقيّة

عبدالناصر عايد

نشر في: آخر تحديث:

بسبب موقعهما وتركيبتهما السكانية، أصبحت حماة واللاذقية، أكثر المدن السورية حساسية، فهما نقطتا الالتقاء الأكثر كثافة، بين الطائفتين السنية والعلوية، اللتين أصبح الصراع المسلح بينهما، أبرز وجوه القضية السورية اليوم. ولأن وصول الصدام المسلح فيهما سيكون دامياً جداً، فقد صمتت المدينتان تحت الترهيب الشديد، وتحاشى النظام استفزاز ساكنيهما برعونة كما يفعل في مناطق سورية أخرى، بيد أن انسداد الأفق السياسي، وتبلور السمة المذهبية للصراع، راح يدفع شيئاً فشيئاً باتجاه اشتعالهما، وهو الأمر الذي إن حدث، فسوف يقطع الطريق على حلم الدولة العلوية المحتمل من جهة، لكنه سيعمق حالة الاحتراب الطائفي ويتجاوز بها نقطة اللاعودة.

وفق إحصائيات النظام قبيل الثورة، تجاوز عدد سكان حماة المليوني نسمة، منهم نحو مليون ونصف من السنّة، ونصف مليون من العلويين، مع أقلية مسيحية.

ويقطن المدينة نحو 900 ألف من السنّة، شكل عددهم وتاريخ المدينة المناهض للبعث منذ سنة 1964 وصولاً إلى مجزرة 1982، القاعدة الاجتماعية لميلونيات حماة، أضخم المظاهرات في تاريخ سوريا، والتي يقول مطلعون إنَ النظام اتخذ قراره باعتماد الحل العسكري عندما تكررت عدة مرّات، وانضم إلى مظاهرة يوم 8 تموز 2011 السفيران الأميركي والفرنسي، واستمرت الاعتصامات والإضرابات المفتوحة حتى 3 تموز حيث اجتاح جيش النظام المدينة واحتلَّها أمنياً بالكامل، لتتوقف المظاهرات الكبرى، وتتحول إلى مظاهرات صغيرة متقطعة في بعض الأحياء الداخلية.

تتمثل مشكلة العمل العسكري في مدينة حماة بكونها شبه مطوقة بالريف الموالي للنظام، ويَسهل حصارها وقطع طرق الإمداد عنها، لكن عمليات الثوار في ريفيها الشرقي والشمالي، يعتقد أنها ستفتح طريقاً يمر بالشرق والشمال وصولاً إلى تركيا. ويعتقد مطلعون أن حماة لا زالت تدين بالولاء لتنظيم الإخوان المسلمين الذي يعتبرها أهم قلاعه في سوريا، وخاض فيها سنة 1982 أكبر صدام عسكري مع النظام، ودفعت المدينة جراءه ما يربو من 30 ألف قتيل، ودماراً لاتزال آثاره ماثلة للعيان، وقد مَنع الإغلاق الأمني التيارات الإسلامية الجهادية حديثة الحضور على الساحة السورية من الوصول إلى المجتمع الحموي، ويبدو أنَ الإخوان المسلمين الذين لم تغفل عينهم عنها، يؤجلون العمل داخلها على نحو مقصود، للمحافظة على طاقتها قدر الإمكان، تمهيداَ لاتخاذها قاعدة انطلاق بعد الثورة، وثمَّة من يعتقد أن التنظيم يعدّ لمعركة مفاجئة هناك وينتظر التوقيت المناسب سياسياً وعسكرياً.

سيؤدي تحرير حماة التي تقع على مقربة من حمص والمتصلة بها عن طريق الرستن المحررة، إلى فصل حمص عن منطقة الساحل، ويعزل العلويين الذين استوطنوا حمص عن قراهم الأصلية التي انحدروا منها في الجبال الساحلية، وستضغط مجموعات الثوار على مناطق أنصار النظام في الجهة الشرقية من الجبال، وسيجعلها موقعها بين اللاذقية وطرطوس منطلقاً لعمليات التسلل والاقتحام، التي سيدعمها بلا شك الخزان البشري الكبير، الذي يضم إضافة للسكان الأصليين ما يربو على نصف مليون نازح من حمص المنكوبة وإدلب، وسيغذي الجبهات الجديدة بأعداد كبيرة من المقاتلين الذين لم ينخرطوا في معارك سابقة، وهؤلاء يمتازون عادة بالحماس وحسّ المغامرة، هذا في حين تعاني المناطق الموالية التي تحيط بهم من اﻹنهاك وشح العنصر البشري، فأبناؤها بالذات هم من استخدمهم النظام في حربه على مدى ثلاث سنوات.

أما اللاذقية التي تقع في المقلب الآخر من الجبال الساحلية، فتفيد المعلومات القادمة منها بأنَ النظام بدأ يتحرز لاحتمال وصول الحرب إلى داخلها، بعد أن اشتعلت في أريافها الشمالية، ووصلت قذائف الثوار إلى المدينة ونواحيها مثل القرداحة وجبلة حيث المطار الوحيد في المنطقة الساحلية، وتلك الاحترازات بدأت بترويع السكان المدنيين السنَّة، لردعهم عن التفكير بمعاونة الثوار أو تسهيل دخولهم إلى المدينة، كما شرع بحفر خندق كبير حولها على غرار الخندق الذي حصن به مدينة حمص سابقاً.

يقطن مدينة اللاذقية نحو 600 ألف مواطن، نحو 70 بالمئة منهم من السنّة و23 من العلويين، مع أقلية مسيحية، بينما يغلب العلويون على ريفها الذي يبلغ تعداده نحو 700 ألف. وقد نزح إليها نحو مليون شخص، من حلب وإدلب وحمص، وخاصة من بانياس وطرطوس بعد المجازر الطائفية التي ارتكبت هناك على يد ميلشيا معراج أورال.

يقيم العلويون في اللاذقية اليوم بالقرب من المشاريع الحيوية للدولة التي كان لهم النصيب الأكبر من الوظائف فيها بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة مثل الميناء وجامعة تشرين ومؤسسة التبغ واليهودية "مركز التدريب الجامعي وقصر الرئيس" ومداخل ومخارج المدينة المؤدية إلى القرى العلوية، معظم تجمعاتهم أحياء عشوائية مثل الدعتور وسقوبين ودم سرخو والجميزة وغيرها، لكن أبرز تلك الأحياء هي التي قطنها آل الأسد بعد وصولهم إلى الحكم هو حي الزراعة.

كافة هذه اﻷحياء طرفية، ولا يزال قلب المدينة يحافظ على طابعه السنّي المحافظ نوعاَ ما، والوسط الاجتماعي لسكان أحياء الصليبة والشيخ ظاهر واﻷميركان معادي بشدة لنظام البعث، وله تاريخ في مقاومته والتمرد عليه. ومثل كل المناطق التي تشكل سطوح احتكاك طائفي، يعتبر سكان اللاذقية أنهم دفعوا الضريبة الأعلى لحكم الطائفة العلوية، ونالهم القسط الأكبر من التنكيل والاستلاب والقمع. وكانت اللاذقية لذلك من أوائل المدن المنتفضة والمشاركة في الثورة، لكن النظام كان هنا أيضا أشد قسوة، إذ شهدت اقتحامات بالمدرعات، وقصفت بالبوارج الحربية لأول مرة في تاريخ سوريا، فاستكانت المدينة المحاصرة منتظرة ما ستسفر عنه المعارك في بقية المدن، التي تعد ظروفها أفضل مقارنة بها.

تنبع أهمية اللاذقية من كونها الواجهة البحرية الأبرز للبلاد، والوصول إلى شواطئها يعني فتح الحدود دون رقابة، كما يشكل وجودها في الجانب الغربي من الجبال الساحلية بموازاة حماة، فك الكماشة الآخر الذي يمكن أن يقطع الطريق على الدولة العلوية المحتملة، ناهيك عن المصالح الاقتصادية لكبار الشبيحة هناك، والتي يشكل فقدانها تجفيفاً للموارد الاقتصادية لجيش من المنتفعين الذين يقاتلون في صف النظام بشراسة.

تبعد الآن تجمعات الثوار نحو 50 كيلو متراً عن اللاذقية فحسب، بعضها مضى عليه نحو سنتين، كالتجمعات في جبلي اﻷكراد والتركمان ومصيف سلمى، ومنها ما تم الوصول إليه عقب معركة الساحل الأخيرة، وتم من خلالها تحرير معبر ومدينة كسب والتقدم جنوباً نحو المدينة.

ومما يجعل مدينتي حماة واللاذقية قابلتين للتفجر والخروج عن صمتهما هو تنامي البعد الطائفي للمعارك في جوارهما، وهو ما ينسجم مع نوع شكواهما الخاصة، إضافة إلى ضعف القبضة الطائفية من حولهما بعد أن استنزفت عشرات الجبهات المفتوحة على امتداد الأرض السورية أنصار النظام، ويقدر أن خسائر ريف اللاذقية العلوي وحده بلغت حتى الآن نحو 33 ألف شاب هم صفوة من يمكنهم أن يحملوا السلاح، بينما لم تخسر المدينتان سوى القليل من أبنائها، ورفدت بعشرات الألوف ممن غادروا المدن المدمرة، وهم يحملون مشاعر عنيفة بالاضطهاد والظلم، تقابلها مشاعر بالتقصير والتأخر عن المناطق الأخرى لدى سكان هاتين المدينتين الأصليين.

سيكون دخول هاتين المدينتين على خط العمل العسكري، التحول الأبرز في الصراع بعد ثلاث سنوات من اندلاعه، وسيغير كافة الموازين والحسابات، لكنه لن يكون بلا ثمن، بل إن الثمن الأقسى ستدفعه هاتين المدينتين، شأنهما شأن كل مناطق التماس في الحروب الدينية والطائفية، وسيحظى نظام الأسد، وقاعدته الاجتماعية المتمثلة بالطائفة العلوية، بالمسؤولية بكل تأكيد عن كل ما سيعقب تفجر هاتين المدينتين، اللتين وضعتا ملحاً على الجراح لمدة ثلاث سنوات، تحاشياً لكارثة لن تستثني أحداً من طرفي الصراع.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.