عاجل

البث المباشر

من يملأ الظرف الفارغ في لبنان؟

قبل زهاء شهر خاطب السفير البريطاني في بيروت توم فليتشر جمعاً من الإعلاميين في حفلة خصصها لهم قائلاً: «أينما أذهب يسألني السياسيون اللبنانيون عمّن تفضله لندن من المرشحين لرئاسة الجمهورية وعمّن أعتقده الأفضل للرئاسة... وسأقول لكم الآن من هو صاحب الاسم الذي ندعمه للرئاسة وسيأتي رئيساً». سحب فليتشر من جيب سترته مغلفاً أبيض ورفعه فوق رأسه وأخذ يفتحه ببطء كما يفعل مقدمو البرامج التلفزيونية لإعلان اسم ملكة جمال أو فائز في برنامج غنائي. وحين فتحه نفضه لعلّ الورقة التي في داخله تخرج منه. ثم قال بصوت عالٍ: «إنه فارغ». وساد الضحك من الحركة المسرحية للسفير.

أبلغ فليتشر الإعلاميين المتشوقين لمعرفة ما يقصده، بأن بلاده لا تريد التدخل في اسم الرئيس لكنها تحث كل الأطراف على انتخاب الرئيس في الموعد الدستوري قبل نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان في 25 أيار (مايو) المقبل، معتبراً أن المهم أن ينزل البرلمانيون اللبنانيون الـ128 الى المجلس النيابي لتأمين النصاب ولانتخاب الرئيس، ولينجح من ينجح طالما أنه سيحوز الغالبية النيابية (الثلثين في الدورة الأولى والنصف زائد واحداً في الدورة الثانية).

كان سفراء الدول الكبرى الثلاث، بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، اتفقوا في اجتماع بينهم على هذا الموقف لتشجيع الفرقاء على النزول الى البرلمان وعدم اتخاذ أي قرار من أي كتلة بمقاطعة جلسة انتخاب الرئيس، لأنها فرصة اللبنانيين أن يصنعوا رئيساً من دون تدخل خارجي، بل إن السفير فليتشر اغتنم فرصة تعزية السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي بضحايا هجوم انتحاري وقع ضد المستشارية الثقافية للسفارة قبل يومين من واقعة المغلف الفارغ، لمطالبته بدفع الفرقاء اللبنانيين الى عدم انتظار المواقف (أو التعليمات الخارجية) وانتخاب الرئيس من تلقاء أنفسهم.

ولربما كان فليتشر في قرارة نفسه يعتمد على أن تمارس الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وغيرها من الدول الأعضاء في مجموعة الدعم الدولية للبنان التي تأسست في نيويورك واجتمعت في باريس مطلع الشهر الماضي، دورها في دفع اللبنانيين الى التوافق على الرئيس العتيد، خصوصاً أن روسيا بينها، والمملكة العربية السعودية، من دون المراهنة على ترجيح هذا التوافق عبر اتفاق بين الدول المعنية بلبنان.

وقد يكون السفير البريطاني صادقاً في هذا التوجه، لو لم تملأ الوسط السياسي أنباء اهتمام عواصم دول شركائه السفراء بأسماء المرشحين ومَن الأوفر حظاً منهم، ومَن هو الذي تفضل استبعاده والذي لا تمانع في مجيئه، أو تفضله على غيره.

وقد تكون حركة السفير البريطاني تضمر عن غير قصد أن يعالج البرلمانيون اللبنانيون معضلة المرشحين الأربعة الأقطاب، الرئيس أمين الجميل ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع (14 آذار) وزعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون ورئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية، والذين يرجَّح ألا يحصل أي منهم على الثلثين في الدورة الأولى (86 نائباً) ولا على أكثرية النصف زائداً واحداً في الدورة الثانية (65 نائباً) لأن أصوات «14 آذار» تبلغ 58 نائباً في حدها الأقصى وأصوات «8 آذار» تبلغ 57 نائباً في حدها الأقصى، فيما يبلغ عدد الوسطيين 11 نائباً، الكتلة الأكبر بينهم والمرجِّحة هي كتلة النائب وليد جنبلاط (8 نواب)، فيما هؤلاء لا يؤيدون أياً من الأقطاب الأربعة. فهل المقصود من اختبار فشل الأربعة في الحصول على الأكثرية هو تحفيز الكتل البرلمانية للتوافق على مرشح وسطي تكون الدول المعنية رجحت خياره؟

قبل يومين قال الرئيس ميشال سليمان في تحديده مواصفات الرئيس الجديد إنه «رئيس قوي لكن رئيس لبناني، توافقي إذا أمكن، أو ينتمي الى خط سياسي لبناني مكتمل الولاء للبنان...». وهي مواصفات قد تصلح للمرحلة الثانية من عملية الانتخاب بعد فشل مرشحي الصف الأول في الوصول.

إلا أن الرياح قد لا تهب وفق ما تشتهيه السفن، فلا تحصل دورة أولى ولا دورة ثانية ولا تُعقد جلسة الانتخاب إلا بعد حصول التوافق على الرئيس العتيد في الخارج. فإذا كان لبنان برمته رهينة التطورات الإقليمية، فلماذا يكون اختيار رئيسه خارج هذه المعادلة؟

أحد المتشائمين علّق على واقعة «الظرف الفارغ» بالقول إنها قد تعني، خلافاً لتفسير السفير البريطاني، فراغاً في الرئاسة، لعل هذا الفراغ يكون دافعاً كي تتفق دول الإقليم على الرئيس العتيد.

*نقلاً عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات