الكي بالشيوعية

فهد البصيري

نشر في: آخر تحديث:

الخصخصة سلاح ذو حدين، والمشكلة أن كلا الحدين سيصيبك، أي أنك ستستفيد منها، وفي نفس الوقت ستلعن الساعة التي عرفتها فيها.

والخصخصة هي عكس الشيوعية تماما، فإذا أردت أن تدعو على شيوعي، قل له (الله يبليك بالخصخصة)، فهي تعني بيع القطاع العام للتجار، وعندما انهار الاتحاد السوفيتي، خصخصوه في ليلة لم تر ضحاها، واستيقظ الروس، فلم يجدوا من جمهورياتهم السابقة سوى روسيا الاتحادية فقط.

والنفط قبل الاستقلال كان (مخصخصا) ومملوكا للشركات الأجنبية، وفي السبعينات وبعد معارك طاحنة مع الشركات العملاقة استطاع مجلس الأمة تأميمه وإرجاع ملكيته للدولة، ولكن الفكر الاقتصادي العالمي مدعوم بشروط العولمة، وشروط الصندوق الدولي والبنك الدولي، أبى واستكبر، (فإما الخصخصة وإما بلاش) واشترط الخصخصة لتقديم القروض، وراحت دول العالم النامية والفقيرة تخصخص كل ما يقع تحت يدها، إرضاء لوجه الله ثم لوجه الصندوق الدولي، وقد جلبت عمليات الخصخصة القسرية الويلات والكوارث على كثير من دول العالم.

وبسبب النتائج السيئة لتجارب الخصخصة في تلك الدول، وبسبب الأزمة المالية لعام 2008، أخذ العالم كله، بشرقه وبغربه، يعيد النظر في فلسفة الخصخصة، بل إنه عاد من جديد يؤمم البنوك والشركات الكبيرة، وكأن علاج الرأسمالية الكي بالشيوعية!

وحجج أنصار الخصخصة كثيرة ومثيرة ومنها أن القطاعات الحكومية (كالنقل، والكهرباء، والنفط، والاتصالات، ونحن، وغيرها) أصبحت عبئا على ميزانية الدولة، كما أن الدولة قد تصاب بالإفلاس إذا استمرت في رعاية هذه القطاعات، بينما القطاع الخاص يملك الأموال وسيساهم مشكورا في إدارة هذه القطاعات وتطويرها!

ومن يقرأ الحجج السابقة سيقول، (خصخصونا) ولو كره الشيوعيون، ولكن هذه الأفكار الوردية ليست سوى الوجه الجميل للخصخصة، أما الوجه الاخر فيحكي قصة مختلفة تماما، فالخصخصة ليست صالحة لكل زمان ومكان كما يدعون، ولا تلجأ الدول لها إلا في أحلك الظروف، لأنها في النهاية كتسليم (لحية) الدولة للشركات، وأول المآخذ على الخصخصة أنها عادة ما يرافقها فساد مالي من كل الأنواع والأشكال، كدفع الرشاوى لربح المشروع، أو محاباة ومحسوبية لتجار معينين، أو بيع القطاعات الحكومية بثمن بخس، وفي النهاية ستقع هذه القطاعات في يد من لا يرحم، وهم حفنة محدودة من الشركات المملوكة لأفراد، والذين ليس لهم من هموم الدنيا إلا الربح، وعندها ستصبح هذه الشركات إمبراطوريات احتكارية لا يمكن منافستها، فتبدأ برفع الأسعار، مع رداءة في نوع السلع، وأول ما ستقوم به هذه الشركات هو تقليل التكلفة لرفع الأرباح، وهنا ستقوم بتسريح الموظفين الكويتيين، وفي المقابل ستقوم بإحلال العمالة الأجنبية الرخيصة مكانهم، أما طوابير الخريجين الجدد فعليهم السلام، لأن الحكومة في ذلك الوقت ستصبح مثل الحكومة الفيدرالية مهمتها ضبط النظام بين غابة من الإقطاعيات.

والـ «بي أو تي B.O.T» الذي يتكلمون عنه هذه الأيام، هو أول الغيث، وهو نوع من أنواع الخصخصة، ولكنه يعني البناء والإيجار والنقل، أي إنشاء المشروع وتشغيله واستثماره من قبل المستثمر، ثم نقل ملكيته بعد مدة زمنية محددة إلى الدولة، وطبعا مع فرض أن الدولة لا زالت موجودة ولم يخصخصوها لدولة ثانية! ومشروع (البي أو تي) الذي يريد أن (يزحلقه) مجلس الأمة - جوازا- هذه الأيام خطير، وصيغ بعناية لمصلحة بعض التجار وعلى حساب المصلحة العامة، وصحيح أن فكرة «البي أو تي» مقبولة وممكنة اقتصاديا، ولكن بشروط، ويجب أن تتم حسب القواعد والأصول، حتى تحصل الفائدة، وإلا جاءت النتائج كارثية، ومن هذه القواعد، التأكد من نوع المشروع والحاجة له، وهل سيضيف شيئا للاقتصاد القومي؟ وهل المدة الزمنية للإيجار محددة بعناية؟ وهل سيوفر وظائف للكويتيين؟ وهل سيخضع المشروع للمواصفات التي تفرضها الدولة ولرقابتها بعد التشغيل؟ ثم هل تتناسب القيمة الإيجارية للمشروع مع حجمه؟ وغيرها من الأسئلة والمعايير التي تضبط عملية الخصخصة وتمنع انقلابها على المصلحة العامة.

وفي كل الأحوال لا تعتقدوا أننا سنصبح في مصاف الدول المتقدمة لأننا (خسخسنا) كيانات الدولة، لأن الضوابط المالية التي في الدول المتقدمة لو طبقت على الشركات الكويتية وحتى المساهمة منها لصمد منها (بقالتان وبنشر) فقط، فكل شيء هناك محسوب بالنسبة للدولة، أما في الكويت فالحساب يوم الحساب.

*نقلاً عن "الراي" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.