تحويل الولايات المتحدة إلى نرويج أخرى

أمير طاهري

نشر في: آخر تحديث:

رغم طابع الانقسام الذي يميزها، إلا أن النخبة السياسية الأميركية تتفق في وصفها لأداء الرئيس الأميركي «بالإخفاق». فرحيله المتهور عن العراق، ولعبته في التهديد ثم التراجع بشأن سوريا، ورغبته المرضية في التلاعب بقضية الطموحات النووية الإيرانية، ومحاولته الخيالية لصنع السلام في الشرق الأوسط، واستجابته لتكتيكات فلاديمير بوتين بشأن أوكرانيا.. تأتي كلها في سياق الاستشهادات على الفشل الاستراتيجي.

ويؤكد البعض أن هذا الإخفاق موضع التساؤل إنما يعود إلى قلة خبرة أوباما، عندما تولى الرئاسة، فيما ألقى آخرون باللائمة على الهوس النرجسي لأوباما بسحره الخاص وهو ما أوصله إلى عالم خيالي من التظاهر. لكن إذا كان الإخفاق المفترض هو نتيجة لرفض أوباما لتنفيذ ما تمنى النقاد، سواء على اليمين أو اليسار، أن تقوم به الولايات المتحدة، فماذا لو نجح أوباما في تحقيق ما وعد بتحقيقه؟

دعونا نتعمق قليلا في هذا التساؤل.

في ظل إدارة أوباما فقدت الولايات المتحدة جزءا من هيبتها كقوة عظمى ملتزمة برؤية معينة للعالم، وعلى استعداد لأخذ زمام المبادرة في الدفاع عن تلك الرؤية متى شعرت بوجود خطر يهدد تلك الرؤية.

ولكن، ماذا لو رفض أوباما تلك الرؤية؟ ماذا لو أنه رفض ممارسة الولايات المتحدة قيادة العالم؟ ماذا لو أنه يؤمن بفكرة، كانت شائعة للغاية أيام دراسته، أن الولايات المتحدة قوة إمبريالية تمارس البلطجة على الدول الأضعف، وتفرض إرادتها عن طريق القوة العسكرية و/ أو النفوذ الاقتصادي؟

إذا أجبنا بنعم عن تلك الأسئلة، فإن سياسة أوباما الخارجية ستكون ذات مغزى حينئذ.

في هذا السياق، فإن سلوك أوباما لن يكون نتيجة للخبرة أو السذاجة، بل استراتيجية متعمدة لإعادة تعريف وتحديد مكانة الولايات المتحدة في العالم.

لكي نكون منصفين، فإن أوباما لم يخف رغبته في جعل الولايات المتحدة «مكانا مختلفا». فقد كان شعاره الرئيسي في عام 2008 «التغيير». كان من الواضح أن أوباما لم يكن يرغب في الولايات المتحدة التي كانت في ذلك الوقت الذي، في أعقاب الحرب الباردة، قد وصلت فيه إلى ذروة قوتها وهيبتها. إذ في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة تعلق رأسي صدام حسين والملا عمر على الجدار كغنائم بينما فلاديمير بوتين يدعو، بعد أن وقع اتفاق تعاون مع حلف شمال الأطلسي، واشنطن للمساعدة في دخول روسيا منظمة التجارة العالمية. في ذلك الوقت، أيضا كان الشرق الأوسط يحاول التكيف مع «أجندة الحرية» الأميركية في الوقت الذي كان فيه الملالي في طهران يقدمون خدماتهم للولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. وتظاهرت الولايات المتحدة بأنها «دولة خاصة» شرعت استكمال مهمة خاصة.

دائما ما كان أوباما يسخر باستمرار من الزعم الأميركي «بالخصوصية » في الوقت الذي أوضحت عبارته «القيادة من الخلف» أنه يعتبر الولايات المتحدة دولة كحال 200 دولة أخرى في العالم. والتخلي عن الزعم «بالخصوصية المميزة» يعني أيضا أن الولايات المتحدة ليس لديها أي مهمة خاصة للقيام بأمور مثل نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان و/ أو ضمان السلام والاستقرار الدوليين.

الطريقة التي يرى بها أوباما الولايات المتحدة هي أنها ليست الدولة الأولى في العالم؛ بل هي مجرد دولة بين الكثير من الدول، وأن الولايات المتحدة لن تستمر في تبني الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والمثل العليا، لكنها ستفعل ذلك كأي دولة ديمقراطية محبة للسلام، كالنرويج على سبيل المثال.

وقد أظهر أوباما رغبة في إعادة صياغة دور الولايات المتحدة باعتبارها «القوة الناعمة» في مناسبات عديدة. تخلى أوباما عن مخططات إدارة بوش لتوسيع حلف شمال الاطلسي في القوقاز وآسيا الوسطى، وتخلي أيضا عن خطط إقامة درع مضاد للصواريخ في أوروبا الوسطى والشرقية. كما أرجأ خطط ربط الدول العربية بشكل أوثق بحلف شمال الأطلسي في الوقت الذي خفضت فيه الولايات المتحدة بشكل كبير وجودها العسكري في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط. وأعقب الانسحاب من العراق بخفض في أعداد القوات في أفغانستان مع وعد بالانسحاب الكامل.

وقدم القتل الوحشي لسفير الولايات المتحدة لدى ليبيا اختبارا نفسيا رئيسيا. فيظهر أنه في ظل أوباما، عادت إلى الوضع التي كانت عليه قبل وصول القادة البحريين بينبريدج وديكاتور إلى الساحل البربري في بداية القرن التاسع عشر.

إن عزم أوباما على إعادة صياغة دور الولايات المتحدة لتكون كالنرويج لم يقتصر على السياسة الخارجية. فقد ظهر أيضا في التخفيضات الهائلة في الإنفاق العسكري الذي تباطأ بسبب تحفظ وزير الدفاع السابق روبرت غيتس وتسارع في عهد خلفه تشاك هيغل، الذي لا يجد امتعاضا في الموافقة على أي قرار.

ستقلص تخفيضات أوباما حجم الجيش ومشاة البحرية الاميركية ليكونا أقل مما كانت عليه إبان الحرب العالمية الثانية البحرية الاميركية، وستجعل البحرية الأميركية التي تعد في الوقت الحاضر القوة البحرية الوحيدة ذات المصداقية على الساحة العالمية، تفقد الكثير من حجمها وفعاليتها. وبحلول عام 2019، عندما يجري تنفيذ التخفيضات بشكل كامل، فإن الولايات المتحدة لن تمتلك القدرات العسكرية اللازمة لشن اثنتين من الحروب الكبرى في وقت واحد، وهو الأمر الذي كان بمثابة عنصر أساسي في الاستراتيجية الأميركية منذ 1980.

وتتضمن استراتيجية أوباما لإعادة صياغة دور الولايات المتحدة أيضا زيادة دور الدولة في الاقتصاد الوطني كما يتضح من خلال التيسير الكمي، واستحواذ الدولة الاتحادية على جنرال موتورز، وسيل من التشريعات التنظيمية. وقد وجدت هذه الاستراتيجية الرئيسية تعبيرها المحلي في شكل الرعاية الصحية الذي تقوده الدولة، الذي أدخله أوباما. وعند تطبيقها بشكل كامل على مدى السنوات القليلة المقبلة، سيحصل برنامج «أوباما كير» على ما يقرب من 16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

وعلى افتراض أن أوباما يريد تحويل الولايات المتحدة إلى دولة ضخمة مثل النرويج، يجب على المرء أن يعترف أن سياسته الخارجية كانت ناجحة وفق منظوره هو. وقد نجح في العودة بالولايات المتحدة الى هذا الحجم. وفي المقابل لم يزد في عهد أوباما عدد الأفراد الذين يحترمون ويحبون الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، بل ازدادت أعداد أولئك الذين لا يخشونها.

المشكلة هي أنه لم يكن صريحا في الإعلان عن اختياره، وفي أنه لم يطلع الأميركيين على نواياه، وبالتالي تصرف دون تفويض صريح منهم.

وعوضا عن السخرية من قلة خبرة أوباما أو سذاجته، يجب على منتقديه النظر إلى اختياره الآيديولوجي بجدية، وكشف آثاره، ودراسة نتائجه ودعوة الجمهور للتفكير بشأن رؤية أميركا للعالم.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.