خرافة الرئيس القوي في لبنان الضعيف!

راجح الخوري

نشر في: آخر تحديث:

الحديث الأبرز في لبنان هذه الأيام هو عن «الرئيس القوي»، بعدما بدأت مرحلة الاستحقاق الرئاسي وظهرت على الساحة ترشيحات معلنة، كان أولها من الدكتور سمير جعجع رئيس حزب «القوات اللبنانية» وترشيحات مضمرة - معلنة وحامية لكن وراء الكواليس السياسية.

قصة «الرئيس القوي» في لبنان المنقسم على وقع التقاطعات السياسية في الإقليم، والمتداعي نتيجة نار الأزمة السورية، التي تعمق الخلافات الجذرية بين أبنائه، بسبب إصرار «حزب الله» على الاستمرار في القتال إلى جانب النظام السوري، والتي ترفده بطوفان من اللاجئين تجاوز عددهم المليونين ونصف المليون، أشبه فعلا بقصة البحث عن إبرة في كومة من التبن!

ليس من المغالاة القول إن الخلافات السياسية العميقة بين اللبنانيين، التي أضعفت مشروع الدولة منذ بداية الستينات تحت وطأة القضية الفلسطينية، ثم دمرته تقريبا في ظل الإدارة السورية التي تحولت احتلالا منع تطبيق «اتفاق الطائف»، هي التي تجعل من لبنان بلدا من قش أو تبن، قياسا بالتصدع الجذري الذي يعصف بأبنائه، فبعدما هدأت رياح الطائفية بعد حرب 1975 ها هي رياح المذهبية تلفحه على وقع النار السورية والنفخ الإيراني فيها الذي جر «حزب الله» إلى مستنقعاتها الدموية.

كيف يمكن الحديث عن ضرورة انتخاب رئيس قوي، إذا كان لبنان ضعيفا وإذا كان مشروع الدولة متراجعا ومتهالكا في ظل الخلافات المستحكمة بين اللبنانيين، تارة بسبب خلاف على الموقع بين شرق وغرب لم ينهه ميثاق 1943، وتارة بسبب الخلاف على قيام دويلة ياسر عرفات الذي انتهى بحرب أهلية وصفها البعض أنها حرب الآخرين على لبنان، وثالثة بسبب الخلاف على الاحتلال السوري لربع قرن، وأخيرا بسبب ما يرى البعض أنه قيام دويلة «حزب الله» التي تريد ربط لبنان بالجبهة الإيرانية السورية.

لا جدال في أن الوطن القوي هو الذي يصنع الرئيس القوي، وأن قوة الرئيس تستمد في الواقع من قوة بلده ودولته ووحدة أبنائه، وإذا كان التاريخ قد عرف رؤساء أقوياء تمكنوا من صناعة أوطان قوية بعد انتشال أوطانهم من الوهن والضعف، فلأن الشعب في هذه الأوطان كان موحدا في طموحاته وأهدافه ومراميه، وهو ما لم يتوافر في شكل واضح وثابت عند اللبنانيين الذين يتشكلون من 17 طائفة ومذهب، تتنازعهم الخلافات السياسية على الأرض وتعصف بهم رياح الطائفية والمذهبية التي ترسخ انتماءاتهم إلى الخارج.

كيف يمكن صنع رئيس قوي للبنان، إذا كانت عملية تشكيل الحكومة الحالية قد استغرقت 11 شهرا رغم أن رئيسها تمام سلام كلف بأكثرية 124 من أصل 128 نائبا في الاستشارات، وإذا كان الاتفاق على كلمة أو عبارة في البيان الوزاري استغرقت شهرا كاملا من الجدال اللغوي، الذي انتهى بما يشبه اللغو في سياق النص الإنشائي، الذي أراد ترسيم الحدود بين الدولة والمقاومة فوقع في الالتباس والتورية؟

قبل يومين أنهت «فرقة الاستئناس» النيابية التي ابتكرها رئيس مجلس النواب نبيه بري جولتها بالإعلان عن توجه معظم الكتل النيابية إلى حضور جلسة انتخاب الرئيس العتيد، التي ستعقد بين 15 ونهاية الشهر الحالي، لكن ليس هناك من يضمن توافر النصاب ما لم تكن ملامح الأرجحيات النيابية قد توافرت للكتل النيابية المتخاصمة والمنقسمة على إيقاع مرجعياتها الممتدة إلى ما وراء الحدود!

السيد حسن نصر الله أعلن في حديث صحافي أنه مع انتخاب رئيس جديد «صنع في لبنان» وأن العوامل المحلية مؤثرة في هذا الاستحقاق أكثر من أي وقت مضى، لكن التأمل في المرتكزات التي تقوم عليها هذه العوامل وفي امتداداتها الخارجية، تجعل من الصعب التصديق أن اللبنانيين المختلفين على هوية لبنان ودوره وسياسته الداخلية والخارجية، وعلى تاريخه وهو ما يحول حتى الآن دون وضع كتاب موحد لمدارسه، وعلى أنماط مسالكه الاجتماعية والحياتية، يمكنهم التوصل إلى اتفاق الحد الأدنى على الرئيس الجديد.

البطريرك الماروني بشارة الراعي وضع مواصفات عالية للرئيس العتيد: «لبنان يحتاج إلى رئيس قوي أولا بأخلاقيته ومثالية حياته وأدائه عبر تاريخه، ثم بقدرته على تقوية الدولة بكيانها ووحدتها وسيادتها وبالدفاع عنها وعن الدستور والميثاق الوطني والثوابت، رئيس قوي في وضع حد للفساد في الإدارة وسرقة المال العام وإرهاق الخزينة»، ولكن من أين للبنان البائس برئيس من هذا النوع، إذا كان السياسيون مختلفين على مفهوم العناصر والسياسات التي توفر القوة، ومتفقين في أغلبيتهم على معاملة الدولة كقطعة من الجبن يتقاسمونها كالقطط أو القرود؟

*نقلاً عن "الشرق الأوسط".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.