متاعب.. الدولة الناعمة

عبدالله بشارة

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

لسنا دولة فاشلة على طريقة الصومال أو ما يقترب منها من الدول العربية، ولسنا من الدول الفاعلة التي تنفذ سياساتها بقناعات ثابتة، ووفق استراتيجيات مدروسة، يلتقي فيها الحزم بقواعد القانون، ويصدر القرار بتأكيد التصميم على التنفيذ، وتتسيد مبادراتها سطوة القانون.

نحن في بلد بطيء القرار، يتسع صدره الى حد غير معقول، يستفيد من هذا المدى الواسع في التسامح خيرون من الأفراد وطيبون من التجمعات لكن أيضا يسيء اليه كثيرون من أصحاب النوايا النزقة الذين لا يترددون في توظيف كل شيء من الألفاظ والتكفير ومفردات التشويه، بينما تظل حكومة الكويت هادئة راضية بوقار الصمت عازفة عن ممارسة حقها في التوضيح ومبتعدة عن الرد ولنقل أكثر بأنها متخلية عن متطلبات القيادة في ادارة شؤون الدولة.

أكتب هذا الكلام وأنا أتابع ما يدور حول الاتفاقية الأمنية الصادرة من قرارات قمة البحرين في ديسمبر 2012 بعد ان وقعها وزراء الداخلية ومنهم وزير داخلية دولة الكويت الشيخ محمد خالد حمد الصباح، عن ايمان بضوابطها وادراك بأعبائها، ومعرفة بالمسؤوليات التي تفرضها بنود الاتفاقية على الدول الأعضاء.

وكل ذلك وبوضوح يعني بأن وزارة الداخلية على المام تام بالواضح والمستتر والخفي وراء ديباجة المفردات التي حملتها نصوص الاتفاقية.
بينما يتابع الرأي العام خطط التهييج التي يثيرها خصوم الاتفاقية ولا يترددون في المبالغات والصاق كل سوء بها وتلويث أهدافها والقفز على الواضح منها واشهار الغضب على الدولة التي وقعتها، ويرافق هذه المتابعة الشعبية تساؤلات عن مسؤوليات الحكومة في الابتعاد عن حملات التوضيح والتصحيح وابراز واقع الاتفاقية، وعن عزوفها عن شرح مبررات وجودها على المسرح السياسي الخليجي وترابطها مع التوسع الخليجي في تحقيق الوحدة الاقتصادية وممارسة المواطنة الموحدة بالمساواة بين أبناء مجلس التعاون دون تفريق في كل مسارات العمل التجاري والاستثماري والمقاولات والأعمال الحرة، وأن هذه الاتفاقية جاءت لتنظيم الحقوق بين المسؤوليات وبين الامتيازات، فمن مارس التجارة من أبناء الخليج داخل الكويت عليه ان يعرف بأن هناك عقابا وأنه اذا أساء الى هذا الحق واختفى في بلاده فلن يفلت من المحاسبة سواء هنا في الكويت أو في حال هروبه الى بلده.

من هذا المنطلق جاءت الاتفاقية الأمنية لوضع قواعد تنظيم العلاقات بين العمل وبين الاساءة للعمل، ليس فيها اخراس للسان ولا حبس للفكر ولا تسفير للمواطن، ولا سجن لمتظاهر، وتمت صياغتها بكلمات بسيطة وسهلة بعيدة عن بلاغة المعاهدات ومتجاهلة المفردات الاعلامية المثيرة.

كان يجب على الحكومة ومن يمثلها ان يقف بكل صراحة ووضوح ويتحدث بلا خجل ويرد بلا اسفاف ويفند بلا تردد على حملات التضليل والفبركة والتدجيل، لكن ذلك لم يحدث، وكل ما تم زيارة الى لجنة الشؤون الخارجية من قبل وزيري الخارجية والداخلية، وداخل جدران صامتة خرج علينا رئيس لجنة الشؤون الخارجية ناقلا حصيلة مداولات اللجنة التي رفضت مشروع الاتفاقية لأن رئيس اللجنة السيد علي الراشد الذي يملك الصوت المرجح مال مع المعارضين، بينما يرد السيد كامل العوضي قائلا بأنه صوت بالموافقة عن اقتناع بعدم وجود تصادم بينها وبين الدستور مقترحا مع آخرين باحالة الموضوع برمته وتعقيداته الى المحكمة الدستورية لتقول كلمتها حول مدى انسجامها مع الدستور أو تعارضها معه.

وفي الوضع الحالي الذي نرى فيه بأن الدولة غافلة عن أهمية دورها في تبديد التساؤلات، وتفنيد المعارضات يمكن ان يكون اللجوء الى المحكمة الدستورية حلا معقولا يحمل المصداقية ويخرس التطاولات ويدعم الحقائق.
وأتصور أنه من الصعب الوقوف في وجه مثل هذه الخطوة التي تريح الجميع وعلى كل طرف له رأي آخر تقبل حصيلتها، لأن الواقع الحالي لا يحمل مؤشرات على مرورها وفق القواعد المعتادة والاجراءات البرلمانية المتبعة في تقبل الأقلية لأحكام الأغلبية لن تتم، والسبب ان هناك اصطفافات سياسية يتعاظم دورها كعقبة لتحقيق التوافق المجتمعي.

هناك تلاق سياسي من أطياف مختلفة ومتباعدة في فلسفاتها وفي المرئيات والأفكار لكنها تجتمع على محاربة الاتفاقية، وهنا أشير الى ملاحظتين:

أولا – ليس من صالح الكويت ان يظهر تصلب قوي مذهبي مسكون بالشكوك من الاتفاقية، مع تخوفات من شيء موجود تحت الستائر، وأخشى أيضا ان يسيطر علينا الشعور من خلال المداخلات والانتقادات، عن وجود اصطفاف معارض سواء داخل المجلس أو خارجه فيه موقف سياسي لا علاقة له بنصوص الاتفاقية، هنا نقف لنقول مهما كان الوضوح في النصوص فان هذا التصلب لن يلين طالما أنه افرازات مواقف سياسية.

ثانيا – التعاضد الأيديولوجي البارز الذي تمثل في فزعة اخوان الكويت مع المدارس الأخرى من أعضاء الاخوة السياسية الاسلامية داخل دول مجلس التعاون وخارجه لاسيما بعد ان وضعت حركة الاخوان على لائحة الارهاب في بعض الدول، مما سبب في الاشتطاط القوي ضد الاتفاقية، وسحبت أسواط المعارضة اللاسعة لتضرب في النوايا وفي المعاني، ولعل ندوة الحركة الدستورية التي أقامها مكتب شباب الحركة الدستورية في ديوانية النائب السابق فلاح الصواغ التي انتهت بالحكم بالاعدام على الاتفاقية لما لها من تأثير سيئ على الحريات وعلى سيادة الدولة – كما يقول المعترضون- أكبر مؤشر على صلابة التعاون والتماسك الأيديولوجي داخل حركة الاخوان في هذه المنطقة وخارجها.

ويمكن ان نقول بأن خصومة الاخوان للاتفاقية ولبنودها تبيح «الشرعي» من الوسائل وتلجأ لغير الشرعي وتدوس على الأصول في توظيف كل المتاح، بما فيها الجور على الحقائق لتحقيق هدفها في نعي الاتفاقية التي يراها الاخوان عقبة في طريق التمكين.
وأسهل شيء يشهر في وجه الاتفاقية هو التباكي على الدستور والأحزان على روحه والعزاء للحرية التي ينعم بها مجتمع الكويت، ولا نريد التذكير في هذا الصدد بأن أكبر المخربين للدستور وبنوده والعابثين بروحه هم نواب الخدمات والمخالفات والوساطات الذين يتجاهلون القانون لتأمين المصالح، ويتطاولون على الدولة ويحقرون مؤسساتها، ولا يعبأون بالقانون والنظام، وبالطبع منهم الكثير من نواب الحركة الدستورية ومن المتعاطفين معها، ولا ننخدع بالشهامة الدستورية والنقاوة القانونية التي يستعرض فيها شباب الاخوان أطروحاتهم، فنواب الخدمات والوساطات شرعوا القفز على لائحة القانون في كل مسارات الحياة.
نعود الى مضار الدولة الغافلة التي تتنازل عن ما تملك وتتجاهل ما يحق لها، ونقول بكل تأكيد بأن هذا التنازل هو الوصفة التي تفرز المخالفات وتولد نزعة الاستهتار.

ونراها الآن في تحدي رجال الأمن والتهجم عليهم واتساع سرقة المال العام وادخال الفوضوية المجتمعية في سلوك الافراد وتهييج غريزة اللامبالاة واستفزاز النظام العام داخل الدولة.

تبقى رسالة لمن يريد الاطاحة بمشروع الاتفاقية، ففي رأينا بأنه اذا تم ذلك لا سمح الله، فان مثل هذا القرار سيضعف التزامات الكويت تجاه مجلس التعاون ويحرجها داخل المنظومة الجماعية الحاضنة للأمن والاستقرار، بسبب عجزها عن الوفاء بمتطلبات العقد الخليجي التاريخي، وبما يضر في هيبة الدولة ويؤثر سلبيا على القامة القيادية فيها، ويمس صورتها وآلياتها في ادارة شؤون الدولة بمجملها..
وكأن دولة الكويت ناقصة مواجع حيث تستدرج السخونة في أروقة مجلس الأمة وفي الاعلام وأجواء البلد بسبب اسقاطات «شريط الفتنة» الذي تحدث عنه الشيخ أحمد الفهد في شيء يقترب كثيرا من روايات أجاثا كريستي البوليسية الشهيرة.

لابد من شيء اسمه وعي الدولة بالتحرك والتجاوب السريع للصوت العالي الذي ينطلق من صرخة الاستيقاظ - WAKE UP CALL، على ان يأتي التحرك قويا بلا توقف وعندها تختفي الدولة الغافلة.

*نقلاً عن "الوطن" الكويتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.