إسرائيل والفلسطينيون: سلام مستحيل.. أم خوف متبادل؟

بكر عويضة

بكر عويضة

نشر في: آخر تحديث:

لا جديد في القول إن قدر الحالمين بالأفضل للناس أجمعين حولهم أن يتحملوا مسؤولية أحلامهم وآلامها. إنما إن لم يفد التذكير، فلن يضر. السلام الفلسطيني - الإسرائيلي حلم مكلف. لو فتحتُ أبواب التشاؤم وأغلقتُ كل نوافذ التفاؤل لقلت، إن بلوغ ذلك الحلم ضرب من المستحيل. لذا، أسارع إلى نحت إميل حبيبي الرائع، فأستعير من سعيد أبي النحس المتشائل (PESSOPTIMIST) وهج جمر الأمل، لولا فسحته لضاق الصدر واختنق النفس.

بعد أقل من شهر (15 مايو/ أيار) تحتفل دولة إسرائيل بإتمام عامها السادس بعد الستين. في حساب الأعمار، ليس هذا بالعمر الطويل. لكن الواقع يقول، إن ما حققته إسرائيل في مجالات الزراعة، والصناعة، والتقنية، يضعها في مصاف دول متقدمة تسبقها زمنيا من حيث نشأة الدولة بمئات السنين، كما إسبانيا أو اليونان، مثلا. ثم إنها تتساوى مع، أو تتفوق على، دول أقامت في غابر الأزمان إمبراطوريات، كما الحال مع تركيا وإيران. أما تفوّق إسرائيل على المستوى العسكري، وهو الأهم لها في ميزان علاقتها بجوارها العربي، فأمر لا يحتاج إلى تبيان. أيعقل إذنْ، أن دولة توفرت لها مثل هذه القوة تخشى السلام؟

منطقيًا، الجواب: كلا. إنما عمليًا، منذ بدأت مساعي السلام الفلسطيني - الإسرائيلي، أعطت حكومات إسرائيل الانطباع بأنها بالفعل تخشى الإقدام على إتمام مشروع السلام الكامل مع الفلسطينيين، وتحمّل التبعات المترتبة عليه. ثمة سؤال هنا سيبدو ساذجًا، لكنني سأغامر بإلقائه: ترى، هل يعرف ساسة إسرائيل، على وجه الدقة، من هم الفلسطينيون الذين من مصلحة إسرائيل ذاتها التوصل إلى سلام معهم؟ هل هم وفد السلطة المفاوض؟ أم ترى ينظر ساسة إسرائيل إلى ما وراء غرفة التفاوض؟ لست أشك لحظة أن ساسة إسرائيل ومستشاريهم ومعدي الدراسات والأبحاث لهم، يعرفون جيدًا أن ملايين الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين داخل فلسطين وبدول الجوار، هم من يتوجب صنع السلام معهم.

المسألة واضحة جدًا. الفلسطينيون الذين بقوا في بيوتهم عام 1948 أصبحوا مواطنين إسرائيليين. السلام مع هؤلاء قائم، وحتى لو كانت لهم مظالم ومطالب فإنها تفصل في المحاكم. المشكل الحقيقي لإسرائيل هو التوصل إلى السلام مع أكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني منتشرين في مخيمات لبنان، وسوريا، والأردن، وغزة، والضفة الغربية. ساسة إسرائيل يدركون أن أي تنازلات يقدمونها لوفد السلطة المفاوض لن تفيد في إقناع فلسطينيي المخيمات بسلام لا يضمن لهم حق العودة. الوفد الفلسطيني المفاوض لا يملك، من جانبه، سلطة التنازل عن ذلك الحق. طالما الحال هكذا، فلِمَ الاستعجال؟ يقول لسان حال ساسة إسرائيل، فلنمط حبال التفاوض ما استطعنا.

.. والحل؟

ليس من حل ما لم تتوفر الإرادة. المقصودة هنا هي إرادة الطرف الأقوى، إسرائيل. كما ذهب القول: إذا كانت هناك عزيمة هناك طريق. وعندما يتحرر ساسة إسرائيل من خشية السلام مع أكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني يمكنهم العثور على أكثر من طريق للتعامل مع حق العودة، ضمن أطر إنسانية وحضارية يقبل بها منطق عصر العولمة والكوكب القرية.

في العمل السياسي، ليس هناك من مستحيل إلا ما يريد له الساسة أن يكون كذلك. أليس بالإمكان، على سبيل المثال، إجراء استفتاء يسأل المواطنين الإسرائيليين كافة عن تصورهم للسلام مع كل الفلسطينيين، ومن ثم استبيان تصور الرأي العام الإسرائيلي للتعامل مع مطلب حق العودة؟ الطرف الفلسطيني من جانبه يستطيع، ويجب، أن يساهم في وضع تصور عملي للتعامل مع حق العودة. هنا أيضا يمكن اعتبار استفتاء فلسطينيي المخيمات خطوة عملية أولية.

عندما كتبت قبل بضعة أسابيع (23 - 01 - 2014) عن مسألة «يهودية إسرائيل» ودعوت الطرف الفلسطيني إلى قبول التحدي والإقدام على الاعتراف المطلوب، كنت أنطلق من اقتناع شخصي ملخصه أن ذلك الاعتراف لن يسمن ولن يغني من جوع، بمعنى أنه لن يقدم لإسرائيل الدولة شيئا ليست تملكه على أرض الواقع، ولن ينزع عن فلسطين صفتها التي عرفت بها عبر آلاف السنين، أرض سلام يجب أن يعيش عليها بسلام أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث. بيد أن السلطة الفلسطينية رفضت ذلك الاعتراف، والقمة العربية في الكويت عززت الرفض الفلسطيني. لكن ما فاجأني هو أن يذهب تأويل بعض المواقع مذهب أنني كتبت لتمرير رسالة من طرف إلى آخَر، وذلك تأويل شطح في الخيال على نحو ما كان يخطر على البال. مع ذلك، لست أجد حرجًا، من جديد، في القول إن اعترافا فلسطينيًا بـ«يهودية إسرائيل» لم يكن ليزلزل الأرض، بل يُسجل للطرف الفلسطيني حقيقة أنه لا يخشى الإقدام على أي خطوة لإتمام مشروع السلام، طالما أنه يستجيب لحقوق الجميع من دون تمييز أو تفريق.

إذنْ، مع فسحة الأمل نبقى، ومع تشاؤل إميل حبيبي، الذي تصادف بعد بضعة أيام (2 مايو) ذكرى رحيله قبل 18 عامًا. أتذكر الآن، كان أبو سلام (انظر اسم ابنه) ينتظرني في المطار موفدًا من هذه الجريدة بعد خمسة أيام من توقيع اتفاق أوسلو (13 سبتمبر/ أيلول 1993). سألتني موظفة الأمن الإسرائيلي: هل هذه أول زيارة لك؟ قلت: نعم. ذهبت وعادت وإلى جانبها زميلة لها، فسألت السؤال ذاته، وأجبت الجواب نفسه. ذهبتا ثم عادتا ومعهما زميل، فسألت السؤال ذاته، وأجبت مبتسمًا، وقد أدركت لماذا يتكرر السؤال ولماذا إحضار شهود استماع، فقلت: نعم أول زيارة لي لدولة إسرائيل. وكما توقعت، اعترضت موظفة الأمن قائلة: ولكنك مولود في بيرشيبا (بئر السبع). قلت: نعم، وغادرتها مع والدي طفلا ذا ستة أشهر، ولم أعد إليها، الآن سأزورها للمرة الأولى، أين المشكل؟ الواقع أن المشكل بدأ من هناك، زمنذاك، لكن ذاك حديث يطول. أما إميل حبيبي فشاهد قبره يقول: باق في حيفا.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.