الديمقراطية المُؤَجَلة

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

جاء قرار رئيس الوزراء بالتدخل لمنع فيلم سينمائى. مثل العاصفة المفاجئة التى أزاحت الكثير من الأغطية على ما كان مخفيا منذ فترة، وبدأ الحديث مجددا عن الحرية والإبداع والديمقراطية والمصادرة إلى آخر ذلك من مصطلحات وقضايا كان لها دور البطولة فى الصراع مع نظام مبارك، وبدأت عمليات انتقاد واسعة لوصف نظام الحكم حاليا بالمستبد والمعادى للحريات والمنحاز للمصادرة، والأهم أنه نظام غير ديمقراطى، وأعتقد أنه بات من الواجب أن نعترف أن كثيرا مما يحدث الآن لا علاقة له بالديمقراطية، بل أستطيع أن أقول إن الأمر أصلا ليس مطروحا للنقاش، ولا ينبغى متابعته أو مراقبته باعتبار أن ما يحدث يستهدف الديمقراطية، فقط علينا الاقتناع أننا مازلنا فى مرحلة انتقالية تقتضى تسيير الأمور بالدرجة الأولى، ولا يلزم من الأساس أن نوصف ما يحدث وما يتم من إجراءات، لأن الحالة التى تشهدها البلاد صعبة بالفعل، ولا يمكن إصدار أحكام قيمية أو أخلاقية على نظام يقوم بمهمة مؤقتة، لتسليم نظام، متفق أنه النظام المستقر الدائم والذى عليه القيام بجميع ما نطلبه ونبحث عنه، وعليه أيضا أن يدير الأمور بديمقراطية ويعمل على ترسيخها وطرحها كمفهوم شامل، وليس مجرد شذرات ديمقراطية، مثل قصة أن الديمقراطية هى الصندوق، أو أن الحرية هى التظاهر، إلى آخر ذلك من ممارسات سئمنا من وجودها وضللتنا كثيرا خلال السنوات الماضية.

إن أى وصف أو حكم على ما يجرى الآن فى مصر هو غير دقيق بالضرورة، فجماعة الحكم أقرب للمتطوعين منهم للمحترفين، لا يمثلون تيارا سياسيا بعينه، ولا ينتمون لأى أيديولوجية، وما يجمعهم فقط أنهم الحكومة، التى يترأسها مهندس مجتهد فى عمله، واختار من اختار ليساعده فى مهامه والتى هى مؤقتة بحكم كل شىء، حكومة تعمل على تسيير الأمور، لا يمكن وصفها بالثورية، ولا حتى بالإصلاحية، وإنما تكنوقراط مشكورين يقومون بأعمال ضرورية لاستمرار تفاصيل الحياة اليومية، بما فى ذلك الأجهزة الأمنية المختلفة التى تقوم بعملها وفقا لتقليديته وروتينيته، بعيدا عن أى استراتيجية مستندة على فكرة سياسية أو قرار استراتيجى، لذا تأتى غالبية قرارات هذه الحكومة بعيدة عن عقل مركزى له انتماءاته وأهدافه وبرامجه، فتكليف الحكومة أصلا جاء لاستكمال مهمام حكومة ما بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسى لتنفيذ خارطة الطريق التى لم تتحدث أصلا عن الديمقراطية أو غيرها، وإنما جاءت استجابة لثورة جماهيرية على نظام حكم رأى الشعب أنه يعاديه ويقف حائلا ضد تقدمه، ويبقى أى تقييم لهذه الحكومة غير خاضع بأى حال من الأحوال لأى معيار من معايير الديمقراطية المستقرة والمتعارف عليها.

الحقيقة التى يجب أن يواجهها الجميع ويعترف بها، أن الديمقراطية معطلة لحين إشعار آخر، أو مؤجلة بتعبير أكثر تفاؤلا، بحيث تكون هى الوعد الكبير لنظام الحكم المقبل أى من كان فى سدته، وربما لا نطمح فى مثل هذه الأحوال سوى إعمال النزاهة فى العملية الانتخابية، وإبعاد أجهزة الدولة عنها، وحمايتها من الانحياز لأى من المرشحين، حتى لا يترك ذلك الانحياز مرارات عند البعض فى المرحلة التالية من الحكم، وحتى يكون العهد الجديد مستندا إلى نزاهة لابد منها لانطلاق الحكم الجديد نحو ديمقراطية وجوبية لا تحتمل التأجيل أو المماطلة، وألا نكون قد خسرنا كل شىء، الانتطار لبعض الوقت ممكن، أما انتظار السراب فلا يعنى إلا انزلاقنا من على الحافة إلى قاع الخطر.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.