عاجل

البث المباشر

أوروبا: «الهامشيون» سابقا.. في قلب الساحة

منذ جئت للعيش في أوروبا عام 1978، سمعت كلاما كثيرا يصف المعايير التي تحكم ممارسة الأوروبيين السياسة. كنت أسمع عبارات من نوع «الأوروبي يصوت بجيبه لا بعقله»، و«القومية صارت صفحة من الماضي طواها الزمن»، و«التعصب انتهى في مجتمع البحبوحة والديمقراطية وإسقاط الحدود».

كنت أسمع الكثير من هذا الكلام، رغم العنف الدموي الذي اتسم به النزاع الطائفي - القومي في إقليم آيرلندا الشمالية، والنزاع القومي الباسكي العابر للحدود الفرنسية الإسبانية. وكان واضحا في تلك الفترة أن أوروبا سائرة في طريق التقارب والتكامل من منطلق المصلحة قبل أي اعتبار آخر، مع أن حزب المحافظين البريطاني كان قد انقلب للتو على زعيمه رئيس الوزراء السابق إدوارد هيث «الأوروبي» الهوى.. وولى زمامه لمارغريت ثاتشر «الأميركية» الولاء.. والمشككة أبدا بالتكامل الأوروبي.

ألمانيا الغربية وفرنسا وإيطاليا ودول «البنلوكس» (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) كانت الدول المؤسسة لفكرة التكامل الأوروبي، انطلاقا من «جماعة الفحم والفولاذ الأوروبية» و«معاهدة باريس» عام 1951، ومرورا بـ«السوق الأوروبية المشتركة» (1958) التي أسستها «معاهدة روما» عام 1957 بين الدول الست.

في تلك الفترة كانت الرغبة مشتركة في مواصلة التقارب توصلا إلى التكامل والاتحاد. لكن هذه النواة الأوروبية الصلبة وجدت نفسها ملزمة بقبول طلبات عضوية دول أقل التزاما منها بالهوية الأوروبية المشتركة على الطريقة التي أدت إلى توقيع «معاهدة ماستريخت» عام 1993، التي أبصر النور بعدها «الاتحاد الأوروبي».

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول وقف طويلا، وبعناد، ضد انضمام بريطانيا إلى كيان أوروبي مشترك، لأنه كان مؤمنا بأن ولاء البريطانيين للفكرة الأوروبية منقوص، وأنهم لن يتخلوا في يوم من الأيام عن علاقاتهم الخاصة بالولايات المتحدة من أجل بناء «أوروبا موحدة».

غير أن الظروف تبدلت، ومعها تغيرت الأولويات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، وغاب ديغول وسقط تحفظ باريس، وأطل هيث وأمثاله على المشهد في لندن، فدخلت بريطانيا «الأسرة» الأوروبية.. لكنها لم تكف منذ حظيت بالعضوية عن التحفظ والتشكيك والاعتراض والمشاغبة وطلب الاستثناء.

ولعل جزءا من الرفض البريطاني العميق لفكرة الوحدة الأوروبية - التي انتهت إليها خطوات التقارب - انعكس في تسريع عملية توسيع «الاتحاد الأوروبي» في أعقاب انهيار «جدار برلين» ومعه الكتلة الشرقية؛ ذلك أن بعض المشككين بالنيات البريطانية ذهبوا إلى حد اتهام لندن - أحيانا مدعومة ضمنيا من واشنطن - بتعمد إفشال تجربة التكامل من الداخل عبر إفراغها من مضمونها.. أولا عبر إبطاء توحيد المؤسسات، وثانيا عبر تعجل توسيع العضوية بهدف «التخفيف» من تأثير الدول الست المؤسسة (أي «النواة الصلبة») وإضعاف حضورها داخل تجمع فضفاض.. تتفاوت فيه بشدة الموارد الاقتصادية والمستويات المعيشية والثقافات السياسية والاجتماعية.

وبالنتيجة، اختلفت إيقاعات التكامل ومساراته، ثم ظهرت بوضوح التناقضات الاقتصادية والأزمات النقدية في أعقاب اعتماد معظم الدول الأعضاء العملة الموحدة «اليورو».

الأزمة الاقتصادية العالمية، بطبيعة الحال، فاقمت الوضع، فترنحت اقتصادات الدول الأقل ثراء مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال وجمهورية آيرلندا، وضجت دول أخرى بالشكوى من تدفق العمالة الرخيصة الوافدة من دول أوروبا الشرقية بعد إسقاط الحدود.

وأدت التطورات الجديدة إلى توتير الأوضاع الداخلية في دول غنية كانت تشكو أصلا من نزعات انفصالية داخل كياناتها، كحال بريطانيا مع القوميين الأسكوتلنديين والويلزيين، وفرنسا مع القوميين البريتون والكورسيكيين، وحتى في إيطاليا التي برزت فيها انعزالية «رابطة الشمال» (أسست عام 1991) التي تعارض تقاسم «الشمال الأوروبي» الإيطالي ثراءه مع ما تعتبره «الجنوب المتوسطي» الفقير.

ثم بدا أن أحزاب السلطة التقليدية من اليمين المعتدل (ليبراليا كان أو محافظا) واليسار المعتدل (اشتراكيا كان أو ديمقراطيا اجتماعيا)، التي اعتادت عبر العقود على احتكار الحكم في معظم دول غرب أوروبا، ما عادت قادرة عبر نهج «التوافقات العريضة» على إرضاء كل الفئات الشعبية وكتل المصالح المطلبية الخاصة... مع بروز تنظيمات «المطلب الأساسي الواحد»، التي كانت طليعتها أحزاب البيئة (أو «الخضر»)، ثم - بعد استيعاب دول شرق أوروبا - الأحزاب والشراذم الأكثر الراديكالية... يمينا ويسارا.

شروط اللعبة الديمقراطية اختلفت إذن.

ثم إن اعتماد التمثيل النسبي في الانتخابات الأوروبية، حتى في الدول التي لا تعتمده ضمن حدودها الوطنية، كان لا بد أن يكفل تمثيل القوى التي طالما وصفت بـ«الهامشية» ويفرضها على المشهد السياسي.

بطبيعة الحال، التطرف ليس جديدا على أوروبا، التي عرفت النازية والفاشية والستالينية، كذلك ليس جديدا عليها بالذات «كراهية الأجانب».

وبالتالي، في ظل احتدام الأزمات الاقتصادية يغدو أكثر من طبيعي ارتفاع أصوات الاعتراض اللامسؤولة، وتزايد شعبية الديماغوجيين من جميع الأشكال والأنواع والتوجهات، وبحث الإنسان العادي بحماسة عن «كبش محرقة» لتحميله تبعات معاناته المعيشية.

هذا الكلام لا يعني أن ظواهر كـ«الجبهة الوطنية» الفرنسية وحزب «استقلال المملكة المتحدة» البريطاني ستكون بالضرورة ظواهر عابرة. إطلاقا، غير أن الأحزاب السلطوية تحتاج في الديمقراطيات المستقرة والراسخة إلى بنى تنظيمية قادرة على الصمود في مختلف الظروف، وتحقيق اختراقات داخل شتى مكونات المجتمع. ولئن كانت «الجبهة الوطنية» قد نجحت خلال العقدين الأخيرين من فرض وجودها في عموم فرنسا، وتمكنت من إيصال زعيمها جان ماري لو بن إلى الدور الفاصل في انتخابات الرئاسة، فإن دولة مثل بريطانيا، أرسخ أحزابا وأقل مجازفة بتجربة الجديد من فرنسا، لا تندفع بسرعة مماثلة نحو التغيير.

ثم إن أصوات الاعتراض ليست كلها يمينية متطرفة وعنصرية، ففي اليونان وإسبانيا كان لافتا التقدم المفاجئ لليسار المتشدد، وزاد اليسار عموما حصته من مقاعد البرلمان الأوروبي فيما لا يقل ست دول.

في أي حال ما شهدناه تجربة مثيرة، غير أن أثمن ما فيها اضطرار أحزاب السلطة، صاغرة، إلى الإصغاء إلى شعوبها المأزومة، وإعادة النظر في سياساتها لكسب ثقة تلك الشعوب.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات