النظام السوري الباحث الدائم عن شرعية

خير الله خير الله

نشر في: آخر تحديث:

يصرّ النظام السوري على القراءة من كتاب قديم عفى عنه الزمن وأكل الدهر عليه وشرب. عنوان الكتاب أنّ الهرب إلى الخارج، إلى لبنان خصوصا، ضمانة للنظام ولاستمراره.

منذ ولد، قبل ما يزيد على أربعة عقود، ليس لدى النظام السوري، الباحث دائما عن شرعيّة ما، سوى لعبة الهرب إلى خارج البلد يمارسها من أجل المحافظة على نفسه...هذا إذا وضعنا جانبا لعبته المفضّلة، داخليا، التي أسمها القمع.

يندرج «إقناع» «حزب الله» وتوابعه عشرات الآلاف من المواطنين السوريين، المقيمين في المناطق اللبنانية التي يسيطر عليها، بالتوجّه إلى مقر السفارة السورية من أجل الإدلاء بأصواتهم في سياق الهرب إلى الخارج بحثا عن شرعية لا وجود لها في الداخل.

ما حدث يتمثّل باختصار في أنّ هناك نظاما سوريا تسيطر عليه عائلة، تنتمي إلى أقلّية معيّنة، قرّرت أن تكون سورية ملكا لهذه العائلة. يصرّ النظام على اجراء انتخابات في لبنان، حتّى لو تبيّن أن الطريقة التي توجّه بها السوريون إلى السفارة ليست سوى مسرحية هزلية، من أجل إثبات أنّه لا يزال قويّا في سورية.

نعم، النظام ما زال قويّا في لبنان وليس في سورية. إنّه قويّ في لبنان بفضل ايران. ولذلك ليس ما يمنع «حزب الله»، بصفة كونه أداة ايرانية، من تلبية ما يطلبه منه النظام السوري. هل هذا منطق على علاقة بأي شكل من المنطق؟ هل هذا ممكن بعد كلّ ما تشهده سورية من مآس يقف خلفها النظام؟

كانت هذه اللعبة تمرّ في الماضي. كانت تنطلي حتّى على بعض السوريين. لم يعد هناك مكان لهذه اللعبة الآن وذلك لسبب في غاية البساطة. يعود السبب إلى أن مشكلة النظام السوري في سورية وليست في لبنان. هذه المشكلة مع السوريين أوّلا الذين كان مطلوبا في كلّ وقت اذلالهم، إلى أن جاء اليوم الذي قالوا فيه أن كفى تعني كفى. قال الشاب السوري لوالده أنّه يفضل الموت على حياة الذلّ التي قبل بها الوالد.

في الواقع، سقط هذا النظام في سورية. سقط عندما لم يستطع في أيّ يوم تقديم شيء للسوريين. اللهمّ إلّا إذا استثنينا القتل والبؤس والتجويع والتعذيب والممارسات الطائفية التي كانت مجزرة حماة في العام 1982 خير دليل عليها.

لا بدّ من الاعتراف بأن النظام السوري وجد لنفسه وظيفة في التسعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. كانت هذه الوظيفة تتمثّل في الاستفادة إلى ابعد حدود من تصدّيه لنظام بعثي ـ عائلي في العراق لا يختلف عنه في شيء، إلّا إذا استثنينا الغباء الزائد والثروات التي لدى العراق والتي بددها صدّام حسين في حربه مع ايران بين العامين 1980 و1988، ثم في غزوة الكويت في العام 1990.

كان النظام السوري يعتقد، في كلّ وقت، أن خلاصه هو لبنان وأنّه يستطيع ممارسة اللعبة اللبنانية إلى ما لا نهاية من أجل البقاء في سورية. ولذلك شارك في حرب تحرير الكويت وعينه على لبنان. كان ثمن مشاركته في تلك الحرب، إلى جانب القوات الأميركية والقوات الدولية والعربية، الحصول على جائزة كبرى اسمها التمديد لوجوده العسكري والأمني في لبنان...والمتاجرة في الوقت نفسه بالفلسطينيين وما بقي من قضيّتهم في طبيعة الحال.

حصل على هذه الجائزة، التي اسمها لبنان، بالفعل وحافظ عليها برموش العين، إلى أن ارتكب جريمة، أو على الأصحّ شارك مع آخرين في جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه. تبيّن أنّ هذه الجريمة في حجم الاجتياح العراقي للكويت واحتلال البلد المستقل الذي فيه قسم لا بأس به من الاحتياط النفطي العالمي.

لم يفهم النظام السوري أن جريمة اغتيال الحريري ورفاقه كانت نقطة تحوّل. لم يفهم أنّه خرج نهائيا من لبنان. لم يفهم ماذا يعني خروجه من لبنان في شهر نيسان ـ ابريل من العام 2005 بعد شهرين واسبوعين من تفجير موكب رفيق الحريري. لم يستوعب أنّه منذ تلك اللحظة، لم يعد قادرا على الهرب إلى لبنان كما كان يفعل في الماضي من دون إذن من إيران التي باتت تتحكّم بلبنان واللبنانيين، أمنيا، عبر ميليشيا تابعة لها اسمها «حزب الله».

ما فعله النظام السوري، عندما أوعز إلى «حزب الله» بأن يرتّب له تدفّق عشرات آلاف السوريين من الموجودين في لبنان على السفارة السورية للتصويت لبشّار الأسد دليل ضعف أكثر مما هو دليل قوة. إنّه دليل إفلاس يكشف النظام الذي صار في حاجة إلى من يصوّت له في لبنان. لو كان هؤلاء الذين أدلوا بأصواتهم على استعداد لأن يفدوا بشّار بـ«الروح والدمّ» حقيقة، لكانوا بقوا في سورية.

هذا كلام مكرّر إلى حد كبير. لكنّ من الضروري التذكير به للقول إنّ النظام السوري الذي هو وليد انقلاب عسكري باسم حزب البعث، ما لبث أن استولى عليه الضباط العلويون ثمّ شخص واحد اسمه حافظ الأسد، قرّر توريث سورية لابنه، لم يمتلك يوما أي شرعيّة من أي نوع كان. مشكلة هذا النظام لا تزال نفسها منذ اليوم الأوّل الذي انقلب فيه حافظ الأسد على رفاقه العلويين والبعثيين. المشكلة مع السوريين ومع سورية أوّلا وأخيرا.

كلّ ما في الأمر أن لكلّ شيء نهاية، كما لكلّ مغامرة هروب نهاية. الهرب إلى لبنان دام طويلا. دام أكثر مما يجب. جاء يوم العودة إلى سورية. هل سورية تقبل النظام؟ الجواب بكلّ بساطة أنّ ما يزيد على ثلاث سنوات من ثورة مستمرّة جواب أكثر من كاف على أن النظام صار في مزبلة التاريخ وليس في أي مكان آخر.

كيف يمكن لنظام ليس لديه ما يقدّمه لشعبه سوى البراميل المتفجّرة أن يستمرّ في حكم بلد، حتّى لو قدّمت له ايران كلّ الخدمات المطلوبة، بما في ذلك «إقناعه» بأنّه لا يزال قويّا في لبنان ولا يزال قويّا في سورية؟ هل الاستعانة بإيران وتسليمه لها بكلّ شيء، بما في ذلك سورية نفسها، يوفّر لنظام طائفي، مرفوض من شعبه، شرعية ما؟

www.alraimedia.com/Articles.aspx

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.