الوسيط المفيد

هشام ملحم

نشر في: آخر تحديث:

الانتقادات التي يتعرض لها الرئيس الأميركي باراك أوباما وحكومته من زعماء الكونغرس من الحزبين للطريقة التي أفرج فيها عن الأسير الأميركي في أفغانستان بو برغدال في مقابل إطلاق خمسة قياديين من حركة "طالبان" من معسكر غوانتانامو بوساطة قطرية، أثارت مجدداً موضوع قطر ودورها الإقليمي وعلاقاتها المتشعبة والمثيرة للجدل مع قوى إسلامية متطرفة.

الوساطة القطرية حظيت بالشكر والامتنان من الرئيس اوباما وغيره من المسؤولين. تبادل الاسرى يمكن اعتباره انجازا تكتيكيا لقطر، يعكس سياستها التقليدية في الاضطلاع بـ"دور مفيد" لمساعدة أصدقائها، وخصوصا الذين يمكن ان تحتاج اليهم في المستقبل وتحديدا الولايات المتحدة.

وكانت قطر في العقدين الاخيرين قد اعتمدت سياسة خارجية طموحة واكبر بكثير من حجمها الديموغرافي، مبنية على ثروتها النفطية الضخمة.

وتميزت علاقات قطر الخارجية بإبقاء جسورها مفتوحة مع الحليف وخصم الحليف في آن واحد. وفي مقابل علاقاتها القوية استراتيجيا واقتصاديا مع واشنطن، اقامت قطر علاقات مع صدام حسين ومع ايران. علاقات سياسية وتجارية مع اسرائيل، وتحالف قوي مع حركة "حماس"، وقبلها مع سوريا و"حزب الله".

علاقات مع حكومة حميد كرزاي في كابول، ومع حركة "طالبان"، الى درجة انها فتحت لفترة قصيرة بعثة للحركة في الدولة (لتسهيل الاتصالات السرية بين واشنطن وطالبان) قبل أن تضطر إلى اقفالها بعد احتجاج كابول، لأن البعثة أرادت أن تعتبر سفارة لـ"إمارة أفغانستان الإسلامية".

وفي مقابل توفير قاعدتين جويتين ضخمتين للولايات المتحدة (بعد انفاق مئات الملايين على تحديثهما)، كانت قطر تسمح لفضائية "الجزيرة" والداعية الاسلامي يوسف القرضاوي بالتحريض على واشنطن وسياساتها في المنطقة.

أواخر التسعينات من القرن الماضي، وصل مبعوث قطري بارز الى عمّان وأبلغ العاهل الأردني آنذاك الملك حسين، استعداد قطر لاستضافة زعيم "حماس" خالد مشعل الذي كان يقيم في الاردن عقب فشل محاولة اسرائيل لاغتياله.

فوجئ الاردنيون بالعرض لكنهم رحبوا به. بعد فترة قصيرة اكتشف الاردنيون السبب الحقيقي لاستضافة "حماس"، عندما اعلنت قطر فتح اول مكتب تجاري لإسرائيل في الدوحة. قطر تقيم علاقات مع اسرائيل ليس فقط لفتح الجسور معها ولكن ايضا لإرضاء واشنطن، لكنها في الوقت عينه تحمي نفسها إسلاميا من خلال استضافة مشعل.

عزلة قطر الاقليمية عقب سحب السعودية والبحرين ودولة الامارات المتحدة سفراءها من الدوحة، دفعتها الى التعجيل في عملية الوساطة للإفراج عن الاسير الاميركي. وواشنطن استغلت هذه العزلة للضغط على الدوحة لوقف دعمها للقوى الاسلامية المتطرفة في سوريا. وقالت مصادر أميركية مسؤولة انها فعلت ذلك. وستبرز الوساطة من جديد، وان لفترة قصيرة، دور قطر وسيطا مفيدا لواشنطن.

* نقلا عن "النهار"

newspaper.annahar.com/article/139042-الوسيط-المفيد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.