عاجل

البث المباشر

أسئلة ما بعد وصول «داعش» للموصل

بدءا، لعل من الشجاعة أن تبادر واشنطن وحليفتها لندن، فتعترف كلتاهما بما يسببه تخبط سياساتهما في العراق لهما وللعراقيين، وللمنطقة. بل إن الإقرار بالخطأ فقط ليس كافيا. ومع أن اعتذار ساسة كبار في العاصمتين كانت لهم أدوارهم في مسار الشأن العراقي، لن يغيّر من واقع الأمر شيئا، فإنه سيعبِّر عن تحمل لمسؤولية أخلاقية ثبتها سجل التاريخ. حقا، ليس بوسع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا غسل اليدين من تبعات غياب خطط واقعية وعملية لما بعد غزو بغداد لإطاحة حكم صدام حسين ثم المباشرة بتفكيك أجهزته، بدءا بحل الجيش العراقي بأكمله. الدولتان تحديدا معنيتان لأن الأولى قادت التحالف، والثانية شكلت الحليف الأقوى، ثم إن كلتيهما تحمّلت العبء الأساس مالا وأرواحا مقارنة بأعباء بقية دول التحالف، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن غياب خطط عملية واقعية تستند إلى واقع العراق والمنطقة، وتستفيد من خبرات أهل الحكمة فيهما، أدى إلى ما انتهى إليه العراق من شلالات دماء أهله، وتفكك أرضه، وصولا الآن إلى وقوع الموصل وكامل محافظة نينوى بأيدي مئات من مقاتلي «داعش».

مع أنه احتمال مستبعد، لكن موضوعية التحليل توجب افتراضه، إذ ربما مع صدور هذا المقال تكون حكومة السيد نوري المالكي تمكنت من استعادة السيطرة على الموصل، لكن حتى حصول ذلك لن يلغي حقيقة أن تنظيم ما يدعى بالدولة الإسلامية في العراق والشام يواصل بين كر وفر فرض حضوره على الأرض في كل من العراق وسوريا، وأنه بات يشكل همَّ الخطر الأهم في المنطقة. في هذا السياق، يمكن وضع سؤال أمام المعنيين على النحو التالي: بوصوله إلى الموصل، هل وصل تنظيم «داعش» إلى مرحلة استحالة تحجيم خطره، دع عنك القضاء المبرم عليه؟ لستُ خبيرا في علم الاستراتيجية، لذا لا أملك إجابة عن سؤال كهذا، ولستُ أحبذ المسارعة إلى الأخذ بآراء تستند فقط إلى التكهن بلا أسانيد تقوم على المعلومة الدقيقة. إنما، بدهيا واضح أن القوى الفاعلة في المنطقة صار لزاما عليها إعادة تقييم ما يجري على الأرض من منطلق أن حصار تنظيم «داعش» بغرض الحيلولة دون تمدده، بات أولوية يجب أن تتقدم على ما عداها.

من هنا أهمية الالتفات إلى تمكين مصر الدولة كي تنهض من جديد لتفرض الاستقرار، ولو بيد من حديد، شرط أن يكون الجميع سواء أمام القانون. في هذا الصدد، يلفت النظر الحضور الدولي لحفل تسلم المشير عبد الفتاح السيسي الرئاسة رسميا. تلك الاستجابة الدولية لدعوة شكلت سابقة مصرية، وربما عربية، تحمل من الرسائل ما يوجب الأخذ بعين الاعتبار. كأنما أرادت القاهرة القول لأكثر من طرف إن مصر الدولة تعود لساحة الفعل الدولي بقوة، وإن تمتين استقرارها الداخلي، لن يصرف نظرها عن تأمين حدودها لمنع أي تسلل لعناصر تابعة لجماعات مسلحة من أي جهة جاءت المحاولة. هل يعني ذلك احتمال المشاركة في مطاردة تلك الجماعات خارج أرض مصر؟ ذلك سؤال إجابته الدقيقة عند دوائر الاختصاص والقرار، وليست من اختصاص كاتب مقالة، إنما يمكن القول، ببساطة، إن تنظيمات العنف المسلح ربما تختلف في مكوناتها أو ينابيعها الآيديولوجية، وربما تباينت أجنداتها السلطوية، لكنها تلتقي عند هدف تقويض دول قائمة بغرض إقامة دولها، سواء كان الاسم «دولة الخلافة الإسلامية» أو ما شابهه مما ارتدى قبعة ذات اسم مختلف.

يبرز هنا، من جديد، سؤال ذو صلة هو الآخر بوصول «داعش» إلى الموصل: من يدفع لتنظيم «داعش» ويدفع به لكي يواصل الغلبة وتفر أمام بضع مئات من عناصره قوات نظامية تعد بالآلاف؟ ذلك السؤال راح يتردد، على الأقل في أوساط غير المطلعين - كما حالتي - على خفايا ما يجري تحت السطح، منذ بدأت الكلمة «داعش» في حد ذاتها تسطع عبر فضائيات عالمية ومنابر صحافية معتبرة. أتذكّر الآن دهشتي عندما احتل أبو بكر البغدادي غلاف مجلة «تايم» - العدد 25 للسنة 182 بتاريخ 16 ـ 12 ـ 2013 - إذ تساءلت من فوري: ومَن يكون هذا السيد كي يتربع على واجهة إحدى سيدات الصحافة الأسبوعية عالميا؟ لكن العنوان أجابني:

AL - QAEDA’S DARK STAR RISES…HOW ABU BAKR AL - BAGHDADI BECAME THE WORLD’S MOST POWERFUL TERRORIST

نجم «القاعدة» المظلم يرتفع، كيف أصبح أبو بكر البغدادي أقوى إرهابيي العالم؟ حسنا، سؤال «تايم» ذاك لم يثبت فقط أنها ليست تلعب بودع التخمين الصحافي، بل هو ما يزال قائما ومحيّرا. حقا، من يدفع المال لتنظيم «داعش»، من يسلّح المقاتل، ومن يسهّل عبور الجحافل؟ ثمة من يضع علامات استفهام عدة حول دور إيران من جهة، وتواطؤ نظام الرئيس السوري بشار الأسد من جهة ثانية، وهناك من يجمع الطرفين معا في خندق الدعم المالي واللوجيستي لتنظيم «داعش». لكن حكم طهران موال لحكم المالكي ببغداد، ومساند بالقول والفعل لنظام الأسد الذي يدعي البغدادي أنه يقاتله، وهو الزاعم أيضا أنه يقود ثورة أهل سنّة العراق انتزاعا لحقوق لهم، بعدما لحق بهم من غبن منذ أطيح حكم صدام حسين. أين الصح هنا وما الغلط، ومَنْ يخدع منْ، ليجره إلى وحل مستنقع تفكيك المنطقة العربية بأكملها، وصولا ليس فقط للموصل، وإنما لإعادتها إلى غابر زمن الطوائف ودولها؟

لا جدال أن الأمر جد خطير. إذا نجح تنظيم «داعش» في اقتطاع أجزاء من سوريا والعراق وأعلن دولته عليها، فالأرجح أن الخطر سيتمدد أكثر. الحيلولة دون تفكك كل من العراق وسوريا باتت أولوية توجب التدخل من قِبل أطراف بوسعها محاصرة النار قبل أن تتسع دائرتها. تكفي مراقبة ردود الفعل التي رددتها دوائر صنع القرار في غير دولة، وعلى لسان أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، لإدراك حجم القلق الناجم عن وقوع الموصل بأيدي «داعش». لكن لا القلق وحده يصد خطرا، ولا الإقرار بخطأ يغير في حد ذاته واقعا، إنما قد يحول دون تكراره على نحو أسوأ. دعونا نأمل أن ذلك ما يزال ممكنا.
نقلاً عن "الشرق الأوسط"

www.aawsat.com/leader.asp

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة