عاجل

البث المباشر

المضربون عن الحياة.. والداعون إلى الموت

ربما كان المشهد صادما.. على خشبة مسرحية، جموع من المتطرفين يحيط بهم الشبان، وسط ذهول من صغار السن، يحتفل الجميع بتكسر الآلات الموسيقية وسط تكبير وتهليل. لا يختلف المشهد كثيرا عن الذي يجري في سوريا والعراق على أيدي قوات «داعش»، إذ تضرب كل ما يخالف رأيها بحد السيف، وتحول الأرصفة إلى محاكم، ورؤوس الجبال إلى سجون، وأطراف الحبال إلى مشانق. ومن ثم تضج التغريدات حول «كأس العالم» بين من يطالب بعدم النظر إلى أحداثه؛ ذلك أن من يشارك فيه جموع من اليهود والنصارى، هذا فضلا عن فتاوى منع السفر إلى الخارج حفاظا على عقيدة الولاء والبراء. كل تلك الجلبة من الرؤى المتطرفة تدل على أن ثمة أمرا ما يتخلق، وأن ماردا من التطرف غير مسبوق على وشك الانطلاق.

الفضاء العام بالعراق وسوريا شكل مناخا محفزا على تشجيع «طفرات» عنف فكري جديد، قد لا ينتمي البعض إلى «داعش» تنظيميا، لكنه بالتأكيد يؤيدها ثقافيا. لدينا «داعش» التنظيم، وأخطر منه «داعش» الثقافة. كل الجموع التي تهيمن على مصائر الفكر ومصادر التلقين ومحاضن التوعية والتربية حين تتعاطف مع تنظيم «داعش» ثقافيا، فإنها تدشن مشروعا من الإرهاب الجديد. والإرهاب لا ينتهي أو ينقرض أو يموت، بل لديه أسباب حياته، وعلينا أن نبحث في أسباب نمو الإرهاب وتصاعده وترعرعه. كان الإرهاب نبتة ثم أصبح شجرة، ويوشك أن يتحول إلى غابة موحشة تلوذ بها السباع. كان الإرهاب عرَضا، لكنه الآن بات مرضا، كان فكرة ثم أصبح منهجا، كان موجة، لكنه الآن تيار جارف يوشك أن يضرم المنطقة بالحرائق.

ليس سرا أن تنظيم «داعش» لديه خطة للتوسع في كل مكان، ومن خلال تتبعي حسابات الكثيرين منهم على مواقع التواصل الاجتماعي، تقرأ أمنيات مجنونة، بقدومه لفرض أفكار هذا التنظيم المتطرفة عليه. لكن دول الخليج متيقظة لمناوراته، بدليل القبض على خلية من «داعش» في 6 مايو (أيار) الماضي في السعودية. لدينا مع العراق أكثر من 800 كم من الحدود، وهناك مقاتلون سعوديون في سوريا، ومقاتلين سعوديين مع «داعش» في العراق، وهذا التحدي قد ننجح فيه أمنيا، لكن لا بد من تفعيل وتنشيط الموضوع الفكري والثقافي لضرب «ثقافة داعش».

أرى أن ناشري «ثقافة الموت» والجلادين للمجتمع بخطبهم والمضربين عن الحياة ومباهجها - هم مشروع ضخم لتكوين «ثقافة داعشية» تكون بيئة حاضنة لكل الأفكار المتطرفة، وأخص بها توجهات «الإضراب عن الحياة» من الذين ترتفع أصواتهم الآن تجاه كأس العالم والفنون والسفر والسياحة والتحاور مع الآخرين، والعيش بشكل طبيعي مع سبعة مليارات إنسان على هذا الكوكب. هذا هو التحدي؛ أن تدمج هذه التيارات المضربة عن الحياة والمعلنة انتهاء نشاطاتها على الأرض استعدادا للرحيل والموت، أن تدمج ضمن المجتمع وحيويته وطبيعيته وانطلاقه نحو البهجة والفرح.

منذ ثلاثين سنة والمجتمع ضحية هؤلاء الجلادين الذين يسوطون الناس بالكراهية، بلغت الذروة مع جهيمان 1979، وصولا إلى تيار الصحوة في الثمانينات وأوائل التسعينات، ومن بعدها عانى المجتمع تنظيم القاعدة 2003 وما بعده، والآن تنفجر قصة «داعش» من حولنا. البضاعة الجيدة تطرد البضاعة الرديئة، حين تهاونا في الفنون وفعاليات الفرح ومجالات تنمية الذوق والرؤية فنيا وثقافيا وفكريا، تغلغلت تلك التيارات، ذلك أنها وجدت مساحة خالية فتمكنت. والعجيب أن هذه التيارات المتطرفة تلقى صمتا من بعض الدعاة الجدد ورموز السرورية. لديهم الوقت لإهداء الورود والزهور للمذيعات، لكنهم لا يجدون الوقت للدفاع عن بلدانهم من الإرهاب والتطرف، ولا يجدون الوقت لإدانة أي من التنظيمات الإرهابية، ربما لأنهم شركاء في هذه البضاعة، ولأنهم من سقاتها ورعاتها، إنهم زمرة واحدة يضربون عن الحياة ويشجعون على الموت.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

www.aawsat.com/leader.asp

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات