عاجل

البث المباشر

للموت سعر ..

ليسمح الزميل محمد الصالح أن أقتبس خبره المنشور في عمون يوم أمس وأن أنشره كما هو :-( حجز العمانيون خلال النصف الأول من العام الجاري(2327)قبرا في المقابر العامة التابعة لأمانة عمان
وبينت بيانات أمانة عمان الخاصة بمكتب دفن الموتى أن القبور التي حجزت استخدمت لدفن الموتى الذي توفاهم الله منذ بداية العام بعدد مقداره 2146 قبرا كبيرا و181 قبرا صغيرا.
وبحسب رسوم الحجز للقبور المقررة من قبل الأمانة والبالغة 150 دينارا للقبر الواحد فإن تكلفة حجز القبور منذ بداية العام بلغت 349 الفا و 50 دينارا.
يذكر أن الأمانة قبل عامين بينت أن المقابر العامه تستقبل يوميا بين 15-18 جنازة، مشيرة إلى أن الدونم الواحد يتسع لـ240 قبرا، لافته حينها إلى أن «التكلفة الحقيقية» للقبر مع الأرض تصل إلى 426 دينارا ) إنتهى الإقتباس .
أنا أعرف أن الموت في العالم يقاس بحجم الحزن ولكنه لدينا يقاس بالدينار , وأعرف أن التراب حين يحتضن الجسد يكون حنونا عليه , ولكن لدينا ثمة تصنيفات للتراب فهناك قبر صغير وهناك قبر كبير ...وأعرف أن الموت حين يداهم شخصا فهو يترك جسده المسجى للأهل والخلان كي يودعونه التراب ...ولكن لدينا حتى في القبور يوجد حجوزات ...نحن بإختصار الوطن الوحيد الذي يتحمل فيه المواطن تكلفة موته
ومن الممكن أن يتطور الأمر ونعقد ورشة متخصصة بتمويل من (اليو أس إيد) لبحث إشكاليات الموت وطرق الدفن ....ومن الممكن أن نشهد ولادة الهيئة العليا لشؤون الدفن والموتى .
في العام (1996) كنت مدرسا متطوعا في مدرسة علي رضا الركابي ,مات أحد تلامذتي من الصف الرابع بالسرطان , وهو عراقي المولد والجنسية والعيون ...
واتذكر أني ذهبت مع أبيه المذبوح بالحزن , كي ندفنه في مقبرة سحاب ..وكنا أربعة لاخامس بيننا سوى جثة (علي) ...أنا والوالد واصدقاء الوالد من العراقيين ...ويومها إكتشفنا أن المقابر تحتاج لتصريح وإذن ...ولأني أردني والتراب أردني , أوكلني الاصدقاء من العراق بعملية الدفن ...يومها سايرت حارس المقبرة وهو فهم دموعي جيدا ودلني على قبر حفر منذ سنوات ولكن موت صاحبه تأجل ...وأعطاني بعض (البلاطات) كي تكون حاجزا بين التراب وجسد علي ...
لم أجد (إسمنتا) ولا (رملا) فقررت سد الفرج بالطين , وتوكلت أنا بعملية دفنه وكان الله معي يراقبني , وكان العراق معي والصبر كله ...نسيت فك الكفن ولكني أدرت وجهه إتجاه القبلة ...وأنهيت المراسم وحدي وعدنا في باص أبيض صغير أستأجرناه لهذه الغاية ....
علي مات غريبا من دون هوية ولا شاهد يكتب عليه الإسم , ومن يومها هربت من المدرسة وتغرب قلبي بين السطور والغضب ...والحب أحيانا ,وفهمت الدنيا كلها إلا التراب الذي يسرق منا الفرح ...لا أنا فهمته ولا هو رحمني .
أنا لا ألوم أمانة عمان ولا أهاجمها , فذاك قانون وعرف ...ولكن خبر زميلنا محمد الصالح إستفز قلبي , وقلبي من قرر أن يكتب .....
نهاية الأمر أقول :- في عالمنا العربي أوطان تموت دون رسم ودون قبر ودون حجم ودون تحديد وجهة أو فك الكفن ...ولا أحد يسأل عنها ...بالمقابل حين يموت إنسان عربي يصبح الأمر بحاجة لتصريح ورسم وحجز قبر ..
كلما حضر اسم سوريا أو اسم العراق في التلفاز ..بكيت , وتذكرت (عليا) وسألت نفسي هل الذي مات عليا أم الذي مات العراق ....
سيحيا العراق حرا شامخا وستقف سوريا ...ستقف .

*نقلا عن "الرأي" الأردنية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات