الجهاد ضد الجهاد

أحمد المسلماني

نشر في: آخر تحديث:

(1)

«لَيْسُوا سَوَاء».. هذه خلاصة الحركات الإسلامية في العالم.

لقد درستُ جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسى في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام لعدة سنوات.

وكان من حظى أنّى كتبتُ الجزء الخاص بجماعة الإخوان في «التقرير الاستراتيجى العربى» في أعدادٍ متتالية.. جعلتنى أقِفُ على جوانبَ متعددة من الدين والسياسة.

منذُ ذلك الحين وأنا أتابعُ حالة الصراع داخل الحركات الإسلامية.. وهى الحالة التي تطورت من إراقة المعرفة إلى إراقة الدماء.

(2)

في باكستان وأفغانستان وفى سوريا والعراق.. وقف الإسلاميون ضد الإسلاميين.. قتل المجاهدون المجاهدين.. ووَصَفَتْ أطرافٌ جهادية أطرافًا جهادية أخرى بـ«الخوارج».

واليوم يعيش العالم العربى والإسلامى مشهدًا داميًا في «الحرب الأهلية الجهادية»: تنظيم «القاعدة» ضد تنظيم «داعش»، وشيوخ الجهاد القديم ضدَّ نجوم الجهاد الجديد، وحزب التحرير الإسلامى الذي قضى ستينَ عامًا يدعو للخلافة يعارض تنظيم داعش الذي أعلن الخلافة!

إن الصراعات والمزايدات بين الحركات الإسلامية «لا نهائية» وسوف يُصدم القارئ إذا حاول أن يعرف رأى الإسلاميين في الإسلاميين ورأى الجهاديين في الجهاديين.. كل فرقةٍ تهاجم غيرها.. وكل جماعةٍ تلعنُ أختها!

وقد تطّرقتُ في كتابى «خريف الثورة» إلى حالة الصراع الإسلامى- الإسلامى، وفى كل يوم أَجِدُ جديدًا في هذا الصدد.

إنها قصة طويلة.. ومفزعة، قصة الجهاد في سبيل الذات.. باسم الجهاد في سبيل الله!

(3)

منذ قررت جماعة «الخوارج» أن تقتل الإمام «على بن أبى طالب» والخليفة «معاوية بن أبى سفيان» بحجة أنهما كافران.. والعالم الإسلامى يشهد تلك الجماعات الخارجة التي تُلقى اتهامات التكفير على قارعة الطريق.

وتَمضى الصورة من جماعة إلى أخرى أكثر تشددًا تكفِّر السابقة، إلى أخرى أكثر تشددًا تكفر الجماعة الثانية التي كفرّت الجماعة الأولى.. وهكذا.. سلسلة من الانحطاط المعرفى والجهل الدينى.. والعبث بالعلوم الشرعية.

ومع موجة «الجهاد» في العصر الحديث.. وجدَ العالم الإسلامى نفسه إزاء محنة كبيرة.. الجهاد ضد الآخر ثم الجهاد ضد الذات.. أو «الجهاد ضد الجهاد»!

(4)

كانت أفغانستان النموذج المفزع لحالة «الجهاد ضد الجهاد».. حيث التقى المجاهدان بسيفيهما.. وقاتل أناس يرفعون راية الشريعة الإسلامية أناسًا آخرين يرفعون راية الشريعة الإسلامية!

كان عهد الرئيسيْن العميليْن: «كارمل» و«نجيب الله» الذي امتد ثلاثة عشر عامًا من عام 1979 إلى عام 1992 هو عُمر الجهاد الأفغانى ضد السوفييت الذي شهد عصره الذهبى في عهد الرئيس الثانى.

(5)

سقط الاتحاد السوفيتى ونجح المجاهدون في إسقاط حكم «نجيب الله» الذي امتد ست سنوات خاض المجاهدون خلالها عددًا كبيرًا من المعارك.

كان ينبغى لتلك اللحظة أن تكون الأفضل.. ها قد نجح المجاهدون وها قد سقط الشيوعيون.. لكن الأمر لم يكن كذلك.. إذْ سرعان ما بدأت معارك «المجاهدين ضد المجاهدين».. إنها الحرب على الغنائم والقتال على السلطة.. هي معركة الإجابة عن سؤال: مَن يحكُم كابول؟!

أصبح «صبغة الله مجددى» أول رئيس لحكومة المجاهدين عام 1992.. وبعد قليل أصبح «برهان الدين ربانى» رئيسًا لأفغانستان في العام نفسه 1992.. وقد مكث «ربّانى» في السلطة حتى عام 1992 حيث سقطت حكومة المجاهدين «القدامى» برئاسته على يد حركة المجاهدين «الجُدد»- «حركة طالبان» برئاسة «الملا عمر».

(6)

مع بداية حكم المجاهدين الأفغان، نشبت الحرب بين الحزب الإسلامى «الجهادى» بزعامة «قلب الدين حكمتيار» وبين حزب الجمعية الإسلامية «الجهادى» بزعامة «برهان الدين ربانى».. وامتدت الحرب بينهما إلى بداية الحرب الجديدة بين حكومة «ربانى» (الجهادية) وبين حركة «طالبان» (الجهادية)!

كانت حرب المجاهدين ضد المجاهدين عنيفة وقاسية، ويقول البعض إنها كانت أشد قسوة ما بين المجاهدين والشيوعيين. بل إن «قلب الدين حكمتيار»، أحد أبرز قادة الجهاد الأفغانى ضد الحكم الشيوعى، قد تحالف مع القائد الشيوعى «عبدالرشيد دوستم» ضد حكومة المجاهدين برئاسة «ربانى»!

ويذكر «جمال خاشوقجى» في مجلة «الوسط» (22 أغسطس 1992) أن بعض العرب قد توسطوا لدى «حكمتيار» لوقف القتال ضد «ربانى».. وقالوا له: إن صواريخك تقتل الأبرياء في كابول.. ولكنه كان عنيفًا ويرد بحسم: «أنا أعرف أين تسقط صواريخى».

وكان «نواز شريف» رئيس وزراء باكستان يقول مستغربًا: مَنْ يقاتل حكمتيار في كابول؟.. ثم كان أن أعلن «المجاهد الكبير»- «حكمتيار» عزل «ربانى»، وأعلنَ «المجاهد الكبير»- «ربانى» خيانة «حكمتيار»!

(7)

كان «حكمتيار» يقول إن «حكومة المجاهدين» برئاسة «ربانى» عقبة في طريق الدولة الإسلامية، وإنه هو وحده الذي يملك الخطة الكاملة لإقامة الدولة الإسلامية في أفغانستان. وكان «ربانى» يقول: إن «الحزب الإسلامى» بزعامة «حكمتيار» عقبة في طريق الدولة الإسلامية، وإنه هو وحده الذي يملك الخطة الكاملة لإقامة الدولة الإسلامية في أفغانستان!

لقد كان مخيفًا للغاية ذلك الهدف والشعار الذي وضعه حكمتيار لحربه مع حكومة المجاهدين في كابول.. كان الهدف يتلخّص في كلمتين: «فتح كابول»!

ولقد كان هذا المصطلح صادمًا.. كيف يمكن فتح عاصمة مسلمة لدولة مسلمة حكومتها جهادية.. باسم الإسلام والجهاد؟!

إن «حكمتيار» الذي قال إنه يريد «فتح كابول» لطرد الميليشيات الشيوعية تحالف مع الشيوعيين لإسقاط الحكومة الإسلامية، وهو الذي أفتى بكفر الشيعة وطالب بطردهم من أي سلطة في البلاد، وهو نفسه من تحالف مع حزب الوحدة الشيعى لإسقاط الحكومة السُنيّة في كابول!

وتشير بعض الدراسات إلى أن حرب المجاهدين ضد المجاهدين ما بين عامى 1992 و1996 قد قُتِل فيها أكثر من (50) ألف شخص، وجرى تدمير (70%) من مدينة كابول.. حتى جاءت حركة طالبان فأسقطت جميع الإسلاميين وأنهتْ حُكم المجاهدين!

(8)

هرب «حكمتيار» إلى إيران التي كانت بالنسبة له «دولة كافرة».. ثم عاد للظهور مع الحرب الأمريكية على أفغانستان حيث أعلن مساعدته في هروب «أسامة بن لادن» من جبال تورابورا عام 2001.. وإيصاله إلى ملاذ آمن.

اختفى «حكمتيار» مرة أخرى ثم عاد للظهور عام 2013 بعد هروب استمر طويلاً.. حيث تحدث إلى صحيفة «ديلى تيليجراف» البريطانية.. محذرا من الانحدار نحو الفوضى، وأنه لابد من «الانتقال السلمى» للسلطة عبر «انتخابات» حرة وعادلة.. ومن يفوز يجب أن «يقبل» به الجميع.. وقال إن الحزب الإسلامى بزعامته مستعد لخوض الانتخابات الرئاسية 2014!

وهو ما دعا الصحيفة البريطانية للقول: «إن أمير الحرب الدموى يتحدث عن (ديمقراطية) و(انتقال سلمى).. كأنه مراقب انتخابات يعمل في الأمم المتحدة!».

(الجزء الثانى- الأسبوع المقبل)

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

m.almasryalyoum.com/News/Details/477548

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.