عاجل

البث المباشر

حميد الكفائي

إعلامي عراقي

إعلامي عراقي

تكليف العبادي وآفاق التفاؤل في العراق

ردود فعل السيد نوري المالكي الغاضبة على تكليف رفيقه وزميله الدكتور حيدر العبادي تشكيل الحكومة العراقية، وتقديمه شكوى إلى المحكمة الاتحادية بأن التكليف غير دستوري، فاجأت المراقبين وأثارت استغرابهم. ويتركز الخلاف، الذي ظهر قبل أن يتنحّى المالكي، حول أي من الكتلتين يجب اعتبارها الأكثر عدداً، هل هي «دولة القانون» ذات الـ 95 مقعداً أم «التحالف الوطني» ذو الـ184 مقعداً والتي تضم بين صفوفها «دولة القانون»؟ قرار المحكمة الاتحادية لعام 2010 ينص على أن الكتلة الأكبر هي التي تعلن عن نفسها في الجلسة الأولى للبرلمان، وقد تأسست حينها كتلة «التحالف الوطني» التي اختارت المالكي مرشحاً لها. وبقي الحال ذاته في جلسة البرلمان الأولى مطلع تموز (يوليو) 2014، إذ أعلن «التحالف الوطني» أنه الكتلة الأكبر وقدم مرشحه لشغل منصب نائب رئيس البرلمان، وهو الدكتور العبادي نفسه، في حضور السيدين المالكي والجعفري، ولم تُطرح دولة القانون ككتلة مستقلة. لكن الأمر اختلف لاحقاً بعدما اتضح أن «التحالف الوطني» لن يؤيد استمرار المالكي في السلطة، عندها بدأت المطالبة بأن تكون «دولة القانون» الكتلة الأكبر.

ولحسن حظ العراق هذه المرة، فإن الرؤساء الثلاثة الجدد، فؤاد معصوم وحيدر العبادي وسليم الجبوري، موصــوفون بأنهم زاهدون بالمناصب وسجلهم يبيّن أنهم لم يسعــوا إلى مناصبهم الحالية بل رُشِّحوا لها بسبب كونهم شخــصيات وطنية مقبولة. السيد معصوم دُفع إلى الرئاسة دفعـاً من حزبه وأبناء قومه، والشيء ذاته حصل مع السيد العبادي الذي رشحته قيادة حزبه وأكثر من نصف أعضاء كتلة «دولة القانون» وجميع أعضاء كتل المواطن والأحرار والفضيلة والإصلاح (127 نائباً) وأيدته غالبية القوى السياسية والإقليمية والدولية. والسيد الجبوري لم يسعَ إلى رئاسة البرلمان، بل رشحته كتلة القوى العراقية، وقد عرض التخلي عن الرئاسة إن كان ذلك يحل أية مشكلة.
وفي خضم كل هذا التنافس، شكل انتخاب العبادي لرئاسة الوزراء بداية مشجعة للعراق الذي يعاني أزمات سياسية واقتصادية وأمنية هي الأخطر

في تاريخه. وعلى رغم الترحيب العراقي والإقليمي والدولي بتكليفه والتفاؤل بمجيئه، فإنه يواجه مهمة في غاية الصعوبة. فمسلحو جماعة «داعش» الإرهابية يسيطرون على الموصل وأجزاء أخرى في محافظات صلاح الدين والأنبار وديالى، وهذا أخطر تهديد تواجهه حكومته. لكن الأمل معقود على المقبولية الوطنية والدولية الواسعة التي حظي بها العبادي، وخبرته الطويلة في العمل السياسي وتعاون الكتل السياسية والمجتمع الدولي معه لإخراج العراق من أزمته.
ويعتبر تعاون المالكي مع حكومة العبادي ضرورياً لأنه يعرف كثيراً من التفاصيل التي سيحتاجها العبادي لإيجاد الحلول الناجعة لمشاكل العراق. وعلى رغم ردود فعل المالكي الأولية الغاضبة من فكرة إزاحته عن السلطة، فإنه سيضطر إلى التعاون مع العبادي لأنه جزء من منظومة سياسية ودينية لا يمكنه الفكاك منها. فالمرجع الأعلى السيد علي السيستاني أوصى بانتخاب رئيس جديد للوزراء، ونصح بـ «عدم التشبث» بالمناصب، وكان واضحاً أنه يقصد المالكي دون غيره، فليس هناك متشبث بالمنصب غيره.

أمضى المالكي ثماني سنوات في السلطة، تخللتها إخفاقات كثيرة خصوصاً في السنوات التي تلت الانسحاب الأميـــركي عام 2011، ووفرت له الانتخابات الأخيرة فرصة ثميــــنة كـــي ينسحب منتصراً لأن كتلته فازت بأكثر المقاعد، وهــو شخصياً حصل على أعلى الأصوات في العراق، لكنه لم يستغل الفرصة، بل أوقع نفسه في مأزق جديد أضر بسمعته وجعله يبدو متمسكاً بالسلطة لأسباب شخصية، حتـــى بعد اختيار زميله ورفيقه حيدر العبادي الذي يمتلك فرصاً أكبر في النجاح وإخراج العراق من عنق الزجاجة.

الإنجاز الأكبر لأي سياسي هو أن يعرف متى يغادر، وهذه مهارة يجيدها القادرون على قراءة «الكتابة على الجدران»، وهم ليسوا كثيرين في عالم السياسة ومنهم رئيس الوزراء البريطاني السابق هارولد ويلسون الذي أصر على التقاعد في عيد ميلاده الستين على رغم مطالبة حزب العمال ببقائه. الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا اكتفى بولاية رئاسية واحدة وكان بإمكانه أن يستمر مدى الحياة بسبب مكانته الدولية. رئيس وزراء كندا، بيير ترودو، صارع حزبه لفترة طويلة من أجل مغادرة موقعه. الزعيم الفرنسي جاك ديلور أصر على التقاعد في وقت كانت الرئاسة الفرنسية بين يديه. الرئيس الروسي السابق، بوريس يلتسن، تنازل لخلفه فلاديمير بوتين حتى قبل انتهاء ولايته، وفعل الرئيس الجزائري الأمين زروال الشيء ذاته. مارغريت ثاتشر وقعت في فخ التمسك بالسلطة حتى ثار عليها البريطانيون عام 1990، عندما تحدى قيادتها منافسون من حزبها فاضطرت إلى الانسحاب. أما توني بلير فانسحب عندما قرأ «الكتابة على الجدران».

لم يعتَد قادتنا على التنازل أو التخلي عن السلطة طوعاً، وهم دائماً يجدون من يصوّر لهم أن لديهم شعبية واسعة وأن بقاءهم ضروري لبقاء البلد وتماسكه، وهذه من أكبر المشاكل الثقافية التي تواجه بلداننا. لذلك يجب تشريع قوانين تفرض حدوداً زمنية للبقاء في المناصب العليا، كي تنعم بلداننا بالتداول السلمي للسلطة الذي يأتي بالاستقرار والرخاء.

نقلا عن صحيفة "الحياة"

www.alhayat.com/Opinion/Writers/4159784/%D8%AA%D9%83%D9%84%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%88%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%A4%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات