غزة.. أن تُصهين أكثر!

فيصل العساف

نشر في: آخر تحديث:

على رغم خيريتهم، وأنهم سمعوا وعملوا بمضمون: «المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، إلا أن تقديرات الصحابة للظروف السياسية لم تجعلهم يحملون سيوفهم دفاعاً عن إخوتهم في الدين ممن كانت الحجارة توضع في حر مكة على أجسادهم، ولا حتى وهم يشاهدون جلودهم تتفسخ جراء ضرب السياط، وليس السابقون الأولون من يمكن المزايدة على دينهم، فلن يستطيع أحد أن يتجرأ عليهم ليلمزهم بأنهم «متمشركين»، لكنه تقدير المصالح والمفاسد، الذي تنادى به عقلاء الأمس، وينادي به العاقلون اليوم، بعيداً عن أية أهداف تؤطر مطالباتهم، فهذا هو القدوة والإمام يمر بعمار وأبيه وأمه التي بقرت بطنها على مرأى من المسلمين، فيواسيهم فقط قائلاً: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة»، ويوم الصلح في الحديبية حين تساءل عمر بن الخطاب مستنكراً بنود الاتفاق: «ولم نعط الدنية في ديننا؟» فإنه لم يكن أكثر إيماناً ولا أشجع ولا أغير على الإسلام من النبي، عندما رد أبو جندل على والده سهيل بن عمرو تحقيقاً لأحكام الصلح، وتغليباً لمصلحة المسلمين، حتى وهو يستنجد فيقول: «يا معشر المسلمين، أأُرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟!»، لم يكن الإسلام يوماً دين فتوّات، وإلا ما كان لقب خالد بن الوليد بسيف الله المسلول بعد معركة مؤتة الدامية التي انسحب فيها.

اليوم وفي ظل السيادة الوحيدة التي ظلت تتربع على عرشها داخل العقل الجمعي العربي طيلة تاريخنا الحديث، وأعني بها سيادة التخوين، فإننا نجد أنفسنا في مفترق طرق يفصل بين الاستقرار وعدمه، يحمل رايات تحفيز اضمحلاله جماعات تحتكر الإسلام فيها فقط، متخذة من مصائب الناس غذاءها الوجودي الذي تحيا به، ومرتعها الخصب الذي تحرض من خلاله على حجر العثرة التي يقف أمام أطماعها، ولعل أبرز الشواهد على هذا الاحتكار المقيت ذلك التطرف في الإقصاء، لدرجة أن يتهم في دينه وعقيدته ويوصف بالتصهين، كل من خالف برأيه منهج حركة حماس في تعاطيها مع أزمة غزة الطاحنة. يريدون من ذلك الوصول إلى تحقيق هدفين مهمين، الأول إقصاء المخالفين بتشويه صورتهم من خلال الهجمات الشرسة والمنظمة التي لا تراعي أبسط أعراف الاختلاف في الرأي، فضلاً عن أخلاق الإسلام الذي جعلوه ذريعتهم إلى ذلك حتى شوهوه.

أما الهدف الثاني الذي يبقى الأهم بلا أدنى شك في رحلة طموحاتهم السلطوية، فإنه امتداد للأول والغاية منه، وهو إيجاد حال عامة من السخط لدى الشعوب على حكوماتها، والعمل بمنهجية خبيثة على إيغار الصدور عبر استغلال توحد الجماهير في بغضها لإسرائيل، وأيضاً بشاعة المشاهد جراء العدوان في حال غزة، ثم الانقضاض بالرمي في التخاذل، مع غض الطرف بكل انتهازية عن الممكن وعدمه في السياسة وترتيب الأولويات.

السعودية تبقى المثال الأكثر سطوعاً على نشاط تلك الجماعات الإسلاموية، المنغمسة في جذور العمل السياسي المستتر، والذي تعج وسائل التواصل الاجتماعي بعرابيه من مواطنيها، الذين صوبوا سهامهم بعد عدوان غزة إلى مخالفيهم ممن يعلمون موالاتهم للدولة، سواء أكانوا مثقفين وكتاباً أم علماء دين ربانيين لا أطماع سياسية لديهم، وراحوا يصهينونهم ويرمونهم بأقذع الأوصاف، في مشهد فرعوني يختصر الحق فيما يرونه هم فقط، «وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، ويبرهن في المقابل على خبثهم في شيطنة الدولة، التي هي الهدف الأصيل وراء هجماتهم تلك، من خلال محاولة إظهارها شعبياً بمظهر الساكت عن الحق، مراهنين على التوقيت وجسامة الموقف في غزة، معتمدين على سعة بال القيادة السعودية وصبرها، الذي أرجو ألا يطول على أذيتهم، فما سوف يتحقق من مكاسب السكوت على تحريضهم ضد من لا يوافق رؤاهم، لا يقارن بالخسائر التي سيتكبدها السلم الاجتماعي بسببهم مستقبلاً.

نعم انتصرت حماس في غزة، ومن يقول غير هذا فإنه مجافٍ للحقيقة، فقادتها في الداخل لم تتزحزح أماكنهم، إذ لا يزالون يتربعون على رقاب شعب غزة بكل سطوة، حتى بعد كل هذه الضربات، وما كان انقطع عنهم من دعم مادي بسبب مواقفهم وتدخلاتهم الإقليمية هاهو يعود بغزارة، وانتصرت حماس أيضا بإعادة جماعتهم الأم «الإخوان المسلمين» إلى المشهد ثانية، بعد أن قصقص الرجال أجنحتها، وقطفوا رؤوس كبرائها في مصر، نعم انتصرت حماس مثلما انتصرت إسرائيل، التي عملت لصالح الأطراف المتطرفة، فزادت الاحتقان في الداخل العربي ليس عليها، وإنما على الحكومات العربية، يساندهم في ذلك أعداؤهم المعلنين، ممن أوهموا بالدين أنهم يمتلكون صكوك الغفران والحرمان، وصدعوا رؤوسنا بشعارات التخوين، حتى انطبق عليه المثل القائل: «كل يرى الناس بعين طبعه»، ذلك حين بررت لهم غاياتهم وسيلة الانتقام، فعملوا على خدمة الإسرائيلي الذي لا ينشد أكثر من هذا التفتيت المنظم لجيرانه، فكفوه مؤونة إشغال العرب بأنفسهم بعيداً عنه.

نعم، انتصر كل أولئك، ليظل الغزاوي المغلوب على أمره، الضحية الوحيدة التي دمرت أرضه واستبيح قراره وهمش في خضم المعادلات الدولية مصيره.

* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.