محمد سالم باسندوه

مصطفى الفقي

نشر في: آخر تحديث:

هو رئيس وزراء «الجمهورية العربية اليمنية» حاليًا، وهو يطرق باب الثمانين حولاً بذهن متقد وفكر متوهج وعقل متزن للغاية، ولقد آمنت دائمًا أن «اليمن السعيد» هو بلد الشعراء والأدباء والعلماء والمفكرين، ومازلت أشعر بدهشة للقفزة الهائلة خلال نصف قرن من دولة يغلق أسوارها «إمام اليمن» وتعيش فى ظروف مشابهة للعصور الوسطى فإذا هى الآن دولة حديثة نجحت فى التسليم السلس للسلطة بين رئيسين مهما كانت ملاحظاتنا على ما جرى وما يجرى هناك، فالواقع يؤكد بحق أن «الحكمة يمانية» وأنها «صنعاء» مهما طال السفر.

وأظن أن القادمين من الجنوب فى «اليمن» كانوا أكثر احتكاكاً بالغرب من خلال المحتل البريطانى ونهضة التعليم فى مدارس «عدن» منذ عدة عقود، فلقد كان ذلك الإقليم ذو الطابع الاستراتيجى الذى يتحكم فى «البحر الأحمر» من خلال مضيق «باب المندب» دافعًا للغزوات والأطماع وسبباً للازدهار الثقافى والحضارى فى ذات الوقت، ويجب أن لا ننسى أن «الحضارمة» يرجع إليهم فضل كبير فى نشر الإسلام فى البقاع الآسيوية البعيدة خصوصاً فى دولة «إندونيسيا» التى تملك أكبر تجمع إسلامى من السكان فى العالم كله، ولعل أسماء عائلات مثل «السقاف» و«العطاس» تمثل قاسماً مشتركاً بين جنوب «اليمن» وامتداده الإسلامى فى «إندونيسيا».

كما أننا فى «مصر» نعرف عائلات «حضرمية» استقرت فى الكنانة وأسهمت فى الحياة الثقافية والعملية ولعلنا نتذكر هنا أسماء مثل «باكثير» و«بازرعة» و«باجنيد» وغيرهم من العائلات التى احتلت مواقع مرموقة فى مختلف أنشطة الحياة المصرية، ولعلنا نتذكر أيضاً أغنية المطرب السورى «فهد بلان» الشهيرة عن «بنات المكلا»، لذلك فإن الحديث الذى يمتد دائماً بينى وبين ذلك الصديق العزيز الذى يجلس على قمة الحكومة اليمنية هو حديث ممتع، فالرجل يحفظ آلاف الأبيات الشعرية.

فضلاً عن ثقافة رصينة ووعى عميق بالتاريخ القومى والإنسانى، بالإضافة إلى تاريخ نضالى طويل يمتد منذ حكم «الأئمة» فى «اليمن» مروراً بثورة ذلك الشعب التى فاجأت الدنيا ورفعت معنويات الرئيس الراحل «عبدالناصر»، لأنها جاءت بعد عام واحد تماماً من نكسة الانفصال وانهيار دولة الوحدة، ولقد التقى الرجل بالرئيسين «عبدالناصر» و«السادات» فى مناسبات عديدة وعرف رموز السلطة فى الوطن العربى معرفة مباشرة ولكنه ظل دائماً على العهد به نظيف القلب واليد واللسان، مخلصاً لوطنه حريصاً على وحدته ساعياً لرفعة أمته.

ومازلت أتذكر أننا قد التقينا على مقعدين متجاورين فى رحلة طائرة من «لندن» إلى «القاهرة» فلم أشعر بمدة الطيران بسبب حديثه الطلى وثقافته الواسعة وذكرياته المتدفقة مع صداقة تجمعنى به هى مصدر اعتزاز لى، ولقد تجدد لقائى به منذ أيام فى «العاصمة النمساوية» حيث كنا مدعوين فى مناسبة اجتماعية مبهجة هى زفاف ابنة صديق مشترك، وامتد بنا الحديث طويلاً حول الأوضاع العربية والظروف الإقليمية والمستقبل الذى يدعو إلى القلق من خلال المشهد العربى الحالى.

ولقد تخفف الرجل فى هذه المناسبة السعيدة من أعباء الحكم ومسؤولية رئاسته للوزراء، لكى يظهر معدنه الحقيقى مثقفاً رفيعاً وشاعراً كبيراً يملك عقلية متقدة وثقافة موسوعية، مع حب لمصر وحرص على بلده «اليمن»، فتحية له صديقاً كريماً، ولشعبه الشقيق كل أسباب المودة والمحبة والأخوة.

* نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.